: آخر تحديث

علم الاجتماع وذاتنا الحضارية

2
2
3

ظلت العلوم الإنسانية لعقود طويلة تُستورد في مجتمعاتنا العربية والشرقية باعتبارها "حقائق علمية مطلقة" وعابرة للجغرافيا والثقافات، وكان في صدارة هذه العلوم علم الاجتماع. فمنذ أن أرسى أوغست كونت، وإميل دوركايم، وكارل ماركس، وماكس فيبر، القواعد التأسيسية لهذا التخصص في قلب الثورة الصناعية الأوروبية، ساد انطباعٌ أكاديمي عام بأن الأطر النظرية الغربية تمثل "المعيار العالمي الوحيد" الصالح لتفكيك شفرات أي مجتمع بشري. غير أن التحولات الحضارية المتسارعة، وتكرار عجز النظريات المستوردة عن تفسير الظواهر المحلية بدقة، يدفعاننا اليوم لإعادة طرح سؤال الجدوى والتمحيص: هل يصح علمياً وأخلاقياً أن نقرأ مجتمعاتنا الشرقية بنظارات منهجية فُصّلت خصيصاً لتشخيص أزمات مجتمعات أخرى؟

إن علم الاجتماع الغربي لم ينشأ في فراغ محايد، بل ولد في تربة تاريخية وثقافية شديدة الخصوصية؛ حيث شكلت الثورة الصناعية وحركة التنوير البيئة التي صاغت مفاهيمه المرجعية. ونتيجة لتراجع الروابط التقليدية لصالح "العقد الاجتماعي" والمصلحة النفعية المباشرة، انشغلت النظرية الغربية بمفاهيم الفردانية، واغتراب الذات، والصراع الطبقي، وآليات الهيمنة، محولةً الفرد الحقوقي المستقل إلى وحدة التحليل الأولى والأساسية. كما بنيت معظم أدبياته التقليدية على فرضية حتمية مفادها أن العصرنة والتقدم التكنولوجي يستلزمان بالضرورة إزاحة الدين عن الفضاء العام وتفكيك الروابط الأسرية الممتدة، اعتباراً لمسار العلمنة الغربي كمسار حتمي وحيد للتقدم البشري.

على الضفة الأخرى، يقدم الشرق عبر تجاربه الآسيوية والعربية والإسلامية نموذجاً مغايراً للوجود الاجتماعي. ففي الفكر الآسيوي (مثل الماليزي، والياباني، والصيني)، لا وجود للفرد المعزول عن بيئته ومحيطه؛ إذ يتشكل الإنسان دائماً داخل شبكة ممتدة من العلاقات الأخلاقية، والالتزامات المتبادلة، والتضامن الجمعي. وقد نجحت هذه المجتمعات في تحقيق حداثة اقتصادية وصناعية مبهرة دون أن تتخلى عن قيم الانسجام الاجتماعي والتلاحم الأسري، صايغةً بذلك أطروحة "الحداثات المتعددة" التي تكسر احتكار الغرب لتعريف المفهوم وتثبت إمكانية التحديث دون التغريب.

أما في العالم العربي والإسلامي، فإن المسألة تتجاوز مجرد مواكبة التحديث إلى استعادة أصول علمية راسخة في عمق التاريخ. فقد وضع العلامة عبد الرحمن بن خلدون في القرن الثامن الهجري اللبنات الأولى لـ"علم العمران البشري"، متجاوزاً أفكار زمانه بقرون من خلال تحليله العلمي للواقع عبر مفاهيم العصبية، والظاهرة العمرانية، والتغير الاجتماعي. إن المجتمع العربي والإسلامي يرفض التعامل مع الدين كظاهرة تاريخية عابرة أو عقبة أمام التطور كما افترضت أطروحات الحداثة الغربية. وتظل الأسرة الممتدة والروابط التضامنية النواة الصلبة التي تحفظ كينونة المجتمع من العزلة والتفكك الفرداني.

إن الفرق الجوهري بين علم الاجتماع الغربي ونظيره الشرقي ليس مجرد اختلاف شكلي في أدوات البحث الميداني، بل هو تباين عميق في "الرؤية الشاملة للإنسان والكون والمجتمع". فالغرب طور أدوات التفكيك والنقد الفرداني، بينما يتجه الشرق نحو تطوير أدوات البناء والتضامن والانسجام الاجتماعي. ومن هنا تبرز اليوم الضرورة الملحّة لما يُعرف بـ"التأصيل المعرفي" و"توطين العلوم الاجتماعية"؛ بحيث ننطلق من واقعنا المحيط وخصوصيتنا الثقافية لبناء أطر علمية تفسر ظواهرنا الذاتية، دون السقوط في فخ التبعية المعرفية للغرب، ودون الانغلاق عن المنجز الإنساني العالمي.

إن المستقبل المعرفي لا يتطلب قطع الصلة بالمناهج الغربية، بل يستوجب إنهاء التمركز الغربي حول الذات، والتأسيس لحوار حضاري متكافئ يعترف بتعدد المسارات الإنسانية. فالمجتمعات الحية لا تتطور عبر استنساخ التجارب المعلبة، بل عبر فهم قوانين حركتها الداخلية والوعي بذاتها الحضارية. وكما يؤكد عبدالرحمن بن خلدون في مقولته: "إن الحوادث في العالم لا تقع سدى، وإنما تنشأ عن طبائع العمران".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد