: آخر تحديث

الأزمة في التعامل مع الأزمة

4
4
4

في كل المهرجانات والمسرحيات والحفلات والأفلام، ولو اتسعت الدائرة نقول في كل الأنشطة الفنية والثقافية، ومهما بلغت درجة الانضباط، يظل هناك هامش من المفاجآت، التي ربما لم يتوقعها أحد، وهو ما حدث مؤخراً في المهرجان المصري للموسيقى العربية. وبعيداً عن اتهام أحد، أو الدفاع عن أحد، يبقى الأهم دائماً هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه جميعاً؛ ليس فقط كيف نخرج من الأزمة؟ ولكن ربما أيضاً كيف نحقق بعض المكاسب من الأزمة؟

هناك شخصيات تجيد التعامل باحتراف في مثل هذه المواقف، وهو ما نطلق عليهم أساتذة «فن إدارة الأزمة».

بمناسبة اقترابنا من الاحتفال باليوبيل الذهبي - مرو 50 عاماً - في مارس (آذار) القادم على رحيل المطرب عبد الحليم حافظ، تكتشف أنه بدأ خيط الشهرة وبزغ نجمه في الصعود، من خلال أزمة.

كان عميد المسرح العربي يوسف بك وهبي، مكلفاً بعد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، بإقامة حفلات غنائية في حديقة الأندلس وسط مدينة القاهرة. والمعروف أن يوسف وهبي، رجل مسرح من الطراز الرفيع، يقدس الانضباط، ويحدد لكل فنان توقيت صعوده على خشبة المسرح؛ لكن يوسف وهبي فوجئ بأن نجمة الحفل المطربة صباح تتصل به من الاستوديو، وتطلب تأخير فقرتها نصف ساعة، لأنها تصور أحد المشاهد، ولا يمكن تأجيله للغد.

ماذا يفعل يوسف وهبي في النصف ساعة؟ تذكر أن لديه مطرباً شاباً، يأتي يومياً طالباً منه أن يمنحه فرصة، وعلى الفور أرسل من يحضره إليه، سأله هل تغني لعبد الوهاب؟ أجابه: لدي أغنية خاصة بي «صافيني مرة» معتمدة في الإذاعة، والفرقة الموسيقية تحفظها؛ فطلب منه أن يؤديها، ونجحت وصفق له الجمهور، واستعادها أكثر من مرة، وكتبت بعدها شهادة ميلاده... هكذا أديرت الأزمة باقتدار.

روى لي المخرج السينمائي كمال الشيخ أنه في منتصف السبعينات، اتفق مع سعاد حسني على بطولة فيلم «الصعود للهاوية»، ووافقت على كل التفاصيل، وأجرى على السيناريو كل ما طلبته من تغييرات، هناك من استطاع إقناعها بأن تقديم شخصية جاسوسة سوف يؤدي إلى أن يكرهها الجمهور، فهو من الممكن أن يتسامح مع الممثلة وهي تؤدي شخصية منحرفة أخلاقياً، ولكن خيانة الوطن خط أحمر، لن يغفرها أبداً. وكان التصوير قد تحدد موعده قبلها بـ48 ساعة فقط، فلجأ المخرج إلى ترشيح نجلاء فتحي، التي اعتذرت لأسباب سعاد نفسها. لم يجد أمامه سوى أن يدفع بفنانة تحلم بالنجومية ولم تصل بعد إليها، وكان الدور من نصيب مديحة كامل، وبالفعل صنع المخرج نجوميتها، وعرف كيف يخرج منتصراً من الأزمة.

البعض يحلو له عندما تواجهه أزمة أن يدفع على الفور بحجة جاهزة «نظرية المؤامرة»، ورقة مريحة جداً، تضمن له أن يستمتع بنفسه، فهو لم يخطئ في شيء، ولكنهم تكاثروا جميعاً عليه، وبسبب تلك الحجة عادة ما تتفاقم الأزمة، لأننا لا نواجهها، بل نبحث عن مبرر لحدوثها، وتزداد نيرانها لهيباً أكثر وأكثر.

في كل المهرجانات في كل دول العالم، ستجد أن هناك من يعترض على حجم الدعاية؛ يعتبرها غير لائقة باسمه، أو تاريخه، أو لأنه لم يحصل على الأجر الذي يعتقد أنه يستحقه، أو لأنه رصد مجاملات متعددة كانت من نصيب الآخرين... ستكتشف دائماً ومع تعدد الأمثلة أن الأزمة الكبرى التي تواجهنا ليست في الأزمة نفسها، ولكن لأننا لا نملك بشفافية، فن التعامل مع مفاتيح حل الأزمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد