: آخر تحديث

حين تصبح الحقيقة موضع شك

5
2
4

لسنوات طويلة، كان التحدي هو الوصول إلى الحقيقة وسط تدفق المعلومات. أما اليوم، فنحن أمام تحد أكثر تعقيداً. كيف نثبت أن الحقيقة حقيقية؟ لقد أصبح من الممكن إنتاج صورة لشخص لم يلتقطها، أو صوت لم ينطق به، أو فيديو يبدو مقنعاً لحدث لم يقع. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، لم يعد التزييف العميق مجرد أداة لصناعة محتوى مضلل، وإنما أصبح اختباراً لقدرتنا على حماية الثقة نفسها.

والمؤشرات تؤكد أن المسألة تتجاوز الاحتمالات النظرية. ففي مجالات مثل الاحتيال وانتحال الهوية، ترصد المؤسسات المتخصصة نمواً متسارعاً في استخدام المحتوى الاصطناعي. كما يشير المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتقنية NIST إلى أن إنتاج التزييف العميق أصبح منخفض التكلفة والجهد ومتاحاً على نطاق واسع، وأن صورة منشورة على وسائل التواصل يمكن استخدامها لإنتاج محتوى شديد الواقعية خلال وقت قصير. وهذه التحولات تعني أن تكلفة صناعة التضليل تتراجع، بينما ترتفع تكلفة التحقق منه.

لكن الخطر الأكبر ليس في أن نصدق مقطعاً مزيفاً. الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح من السهل التشكيك في المقطع الحقيقي أيضًا. فكلما ازدادت قدرة التقنية على تقليد الواقع، تراجعت قيمة الصورة والصوت بوصفهما دليلًا مستقلًا، وأصبح التحدي ينتقل تدريجياً إلى مدى إمكانية إثبات عدم أصالة المحتوى.

هذا التحول يحمل دلالة مهمة. فمقطع مصطنع أو تسجيل صوتي مزيف يمكن أن ينتشر بسرعة قبل اكتمال التحقق منه، بينما تحتاج المنظمة بطبيعتها إلى التأكد والتنسيق قبل الرد. وفي هذه الفجوة بين سرعة التضليل وسرعة الحقيقة قد تتشكل الانطباعات، وتتوسع الشائعة، وتصبح المنظمة في موقف الدفاع عن حقيقة كان يفترض في السابق أنها بدهية.

لذلك، فإن التعامل مع التزييف العميق بعد وقوعه لن يكون كافياً. المطلوب هو بناء منظومة استباقية تبدأ بتحديد مصادر رسمية واضحة يمكن الرجوع إليها للتحقق، ووضع بروتوكولات للتعامل مع المحتوى المشبوه، وتحديد بروتوكولات لسرعة الرد. كما من الأفضل أن تتضمن خطط إدارة الأزمات سيناريوهات للتزييف العميق، تماما كما تستعد المنظمات لأي نوع من المخاطر التي تتطلب معالجات إعلامية.

ختاماً: المعركة القادمة ليست بين الحقيقة والتزييف فقط؛ بل بين من يستطيع صناعة الشك، ومن يستطيع حماية الثقة. وفي عالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي تقليد الوجه والصوت والصورة، ستصبح القدرة على إثبات الحقيقة أصلاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن القدرة على صناعتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد