: آخر تحديث

رائحة الورق.. لا تصنع الصحافة

5
2
3

لم أكن أتخيل وأنا طالب في المرحلة الثانوية، ضمن مجموعة من طلاب ثانوية الأبناء المتميزين الذين حظوا بزيارة لجريدة (الرياض)، أن الأقدار ستعيدني بعد سنوات إلى المكان نفسه، لا كزائر هذه المرة، وإنما مشاركاً في مسيرته ومتعلماً من خبرات رجاله.

كانت الزيارة مبهرة بكل تفاصيلها، وأكثر ما بقي في ذاكرتي تلك المطابع الضخمة التي خُصص لها مبنى كامل، والتقنيات العالية التي كانت تعمل بها، حيث شاهدت للمرة الأولى كيف تولد الصحيفة التي نراها كل صباح، وكم من البشر والآلات والعمل يقفون خلف تلك الصفحات.

بعد سنوات عدت إلى هذا الصرح الكبير، أتذكر أن الساعة كانت قرابة الثامنة مساءً عند دخولي مبنى مؤسسة اليمامة الصحفية، بعد استقطابي من تجربتي الأولى في مجلة "اليمامة"، صعدت إلى الدور الثاني الذي يضم طاقم تحرير الرياض، وكان موعد توزيع الطبعة الأولى على أقسام التحرير، كلٌ فيما يخصه، للمراجعة قبل الطبع النهائي، بعدها تبدأ رحلة شركة التوزيع ومنها إلى دول محددة ومدن وقرى وهجر بعيدة، وفق أوقات محسوبة حتى تكون الصحيفة أمام قارئها صباحاً، ومن هنا بدأت علاقتي الحقيقية مع (الرياض)، ومع رائحة الورق تحديداً.

كانت تلامس يدي صحيفة تصل صفحاتها أحياناً إلى قرابة المئة صفحة، تحمل كماً هائلاً من الأخبار والمقالات والتحقيقات والمعلومات، بعضها قد يغير قراراً، أو يطور نظاماً، أو يعالج قضية، أو يسهم في تثقيف مجتمع كامل، وكانت رائحة الورق الخارج للتو من المطبعة لا تعادلها بالنسبة لي أندر العطور وأفخمها، ولعل هذه العلاقة الخاصة بين الإنسان والورق ألهمت حتى صُنّاع العطور، فظهرت عطور شهيرة مثل 

(بيبليوتيك من بايريدو، وبابرباك من ديميتر)، استلهمت رائحة الكتب والمكتبات والصفحات القديمة، أما بالنسبة لي فستظل للرائحة الخارجة من مطابع الرياض ذاكرة مختلفة، ارتبطت بها لسنوات طويلة.

الطريف ان هذا الورق الذي سنفتقده، كانت لنا حكايات اجتماعية معه، ففي زمن مضى كانت علاقتي بالصحف، مثل كثيرين من أبناء جيلي، ترتبط أحياناً بيومين في الأسبوع بسبب الظروف المادية، وخصوصاً إجازة الخميس والجمعة، وبعد صلاة الجمعة كان مألوفاً أن تجد من يقفون أمام البقالات يقلبون الصحف سريعاً لعدم قدرتهم على شرائها جميعاً، حتى إن بعض البقالات كانت تضع العبارة الشهيرة "ممنوع قراءة الصحف بالمجان"..!!

وأيضاً كان من مظاهر "البرستيج" أمام بعض البيوت وجود صندوق الصحيفة بجانب الباب الرئيسي، وتزداد الفخامة إذا كان هناك أكثر من صندوق لأكثر من صحيفة، لان الجريدة كانت جزءاً من تفاصيل المجتمع وليست مجرد وسيلة لمعرفة خبر..!!.

مرت السنوات وتغير المشهد، وبدأ البعض منذ أكثر من عقد يتنبأ بنهاية الصحافة مع تطور التقنيات وتراجع مبيعات الصحف كورق، وهنا كانت الإشكالية بالنسبة لي وللكثيرين من زملاء المهنة، كون الورق لم يكن الصحافة يوماً، وإنما إحدى وسائلها، مثلما انتقل الاتصال من البرقية والتلكس إلى الهاتف والتطبيقات ولم ينتهِ التواصل، فالوسيلة تتغير وتبقى الحاجة إلى الخبر والمعلومة والرأي المهني.

ولذلك فإن ما يحدث لـ(الرياض) اليوم ليس تجربة معزولة عن العالم، ففي عام 2007 أوقفت صحيفة "تالوسانومات" الاقتصادية الفنلندية نسختها الورقية، وكانت من أوائل الصحف الأوروبية التي انتقلت بالكامل إلى النشر الرقمي، وبعدها بعامين أوقفت "سياتل بوست إنتليجنسر" الأميركية نسختها الورقية بعد 146 عاماً، ثم جاءت "الإندبندنت" البريطانية عام 2016 لتغادر الورق بعد ثلاثة عقود وتتجه بالكامل إلى العالم الرقمي!

لكن التجارب العالمية تقول أيضاً إن التحول الرقمي لا يعني بالضرورة موت الورق، ففي بريطانيا، أحد أعرق أسواق الصحافة في العالم، ما زالت صحف كبرى تصدر ورقياً رغم التراجع الكبير في التوزيع، بالتوازي مع توسعها الرقمي، وكذلك الحال مع "نيويورك تايمز"، إحدى أنجح تجارب التحول الرقمي عالمياً، ما زالت تحتفظ بمئات الآلاف من مشتركي نسختها المطبوعة، فصحيح ان الورق لم يعد سيد المشهد كما كان، لكنه لم يمت، وربما لم تعد المسألة صراعاً بين الورق والرقمي، بقدر ما أصبحت قدرة كل مؤسسة صحفية على اختيار النموذج الذي يناسب جمهورها واقتصادياتها.

أكتب اليوم كوني من جيل عاش الصحيفة ورقاً، وانتظرها صباحاً، وعمل فيها وهي تخرج من المطبعة ليلاً، ثم شاهدها تنتقل إلى شاشة الكمبيوتر والهاتف، لذلك انا لا أتعامل مع (24 أغسطس2026) باعتباره يوماً للبكاء على الورق، بقدر ما أراه يوماً استثنائياً في تجربتي الشخصية وفي مسيرة الإعلام السعودي.

سأفتقد انا والكثيرين رائحة الورق، وقد أعوضها بعطر بيبليوتيك، وسأتذكر بحنين صوت المطبعة، ومشهد النسخة الأولى وهي تصل إلى صالة التحرير، لكنني لا أريد أن أختصر كل تلك السنوات في الحنين، فالمطبعة كانت وسيلة عظيمة في وقتها، كما أن الهاتف اليوم وسيلة، وقد تأتينا غداً وسيلة لا نعرفها الآن..!!.

لذلك أرى ان التحدي الحقيقي لـلرياض الجريدة العريقة، يبدأ في رأيي من صباح اليوم التالي لان الانتقال ليس مجرد نقل صفحات من الورق إلى الشاشة، وإنما صناعة صحافة تناسب الزمن الجديد، خبر أسرع، وتحليل أعمق، ومقال يمكن أن يصبح صوتاً وصورة وفيديو، مع المحافظة على أهم ما صنعته الصحافة وخصوصا الرياض عبر عقود (الثقة والمصداقية).

ومن هذا المنطلق أرى قرار توقف الطباعة الورقية قراراً شجاعاً، فالصحافة لم تصنعها رائحة الورق مهما أحببناها، ولم تصنعها المطابع مهما أبهرنا صوتها وضخامتها، وإنما صنعها "الصحفي" والمعلومة والمصداقية والتأثير.

وسيظل يوم 24 أغسطس يوماً تاريخياً في مسيرة الرياض وفي تاريخ الصحافة السعودية، ليس لأنه اليوم الذي توقفت فيه المطابع فقط، وإنما لأنه يؤرخ لتحول مهم في مفهوم صناعة الصحافة نفسها، والأهم في المرحلة المقبلة أن نحافظ على قيمة الصحافة ومهنيتها وسط عالم تتغير فيه وسائل الإعلام بصورة أسرع مما نتوقع.

شخصياً سأحتفظ بالكثير من ذكريات الورق، وبصوت المطابع ورائحتها، وبمشهد النسخة الأولى وهي تصل إلى صالة التحرير، لكنني أكثر حماساً لما هو قادم، لأن العالم يتطور باستمرار، والصحافة التي عاشت كل هذه التحولات قادرة على أن تعيش تحولات أكبر، طالما بقيت المعلومة والمصداقية والتأثير أساساً لها، فالورق سيغادر (الرياض) في 24 أغسطس، ولكن (الرياض) لن تغادر الصحافة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد