هناك لحظات في السياسة لا تحتاج فيها الأطراف المختلفة إلى الجلوس حول طاولة واحدة حتى تبدو وكأنها تتحرك في الاتجاه نفسه.. يكفي أن تتقاطع مصالحها وتتفق ضغوطها، وهذا تقريبًا ما تواجهه المملكة اليوم؛ إيران ووكلاؤها من جهة، وبعض العواصم والقوى الإقليمية والغربية من جهة أخرى، وكل طرف يريد من الرياض أن تتحرك وفق حساباته، وأن تنخرط في معاركه، أو تصطف إلى جانبه عندما يقرر أن الوقت قد حان للاصطفاف!
بالتأكيد لا أعتقد أن هناك غرفة عمليات يجلس فيها الأميركي والإسرائيلي والإيراني والحوثي والميليشياوي العراقي للتآمر على السعودية.. لكن هناك أطرافًا متناقضة تريد من المملكة أدوارًا مختلفة تخدم مصالحها، وعندما ترفض أداء هذه الأدوار تتقاطع الضغوط عليها، حتى يبدو المشهد أحيانًا وكأنه تحالف غير معلن.
المملكة لم تخترِ الحرب الأميركية مع إيران، ولم تكن طرفًا في قرار إشعالها، بل حاولت منع انتقال النار إلى الخليج، لأنها تعرف الجغرافيا التي تعيش فيها، وتعرف أن الأميركي يستطيع أن يخوض حربًا في الشرق الأوسط ثم يعود إلى واشنطن، بينما نحن نبقى هنا مع نتائجها لعقود.. ومع ذلك لم يمنع هذا الموقف طهران ووكلاءها من استهداف دول الخليج ومنشآتها الحيوية.. المشكلة إذن ليست في أميركا وحدها، ولا في إيران، وإنما في تصور بائد مازال يقسم العالم إلى معسكرين/ فسطاطين.. فإذا اقتربت من الصين قيل إن المملكة تبتعد عن الغرب، وإذا أعادت العلاقات مع إيران قيل إنها تمنح طهران فرصة، وإذا واجهت المليشيات قيل إنها تعيد المنطقة إلى التصعيد، وإذا رفضت الانضمام إلى حرب لا ترى مصلحة لها فيها سُئلت عن معنى تحالفها مع واشنطن! السعودية تغيرت، والعالم أيضًا تغير.. اتفاق بكين مع إيران عام 2023 لم يكن إعلانًا عن انتقال الرياض إلى المعسكر الإيراني، والعلاقات المتنامية مع الصين لا تعني التخلي عن الولايات المتحدة، واتفاقية مكة مع تركيا وباكستان لا تعني استبدال تحالف بآخر، والعلاقات الاستراتيجية مع واشنطن لا تعني أن تصبح المملكة جزءًا من كل حرب أميركية.. السياسة السعودية الجديدة تقوم على فكرة أكثر بساطة: علاقات متعددة، ومصلحة وطنية واحدة.
المملكة اليوم لا تبحث عن خصومات جديدة، ولا تحتاج إلى إثبات استقلال قرارها لأحد، لكنها في الوقت نفسه ليست دولة وظيفية وُجدت لحراسة مصالح الآخرين أو تمويل حروبهم أو تنفيذ ترتيباتهم السياسية؛ فالمملكة تستطيع أن تكون حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وشريكًا اقتصاديًا للصين، وأن تتحاور مع إيران، وتبني تحالفًا دفاعيًا مع تركيا وباكستان في الوقت نفسه.. لأن السؤال السعودي لم يعد: مع أي معسكر نقف؟ وإنما: أين تقع المصلحة السعودية؟

