: آخر تحديث

ما وراء الرقائق.. صناعة سعودية

4
3
1

حين نقرأ عن سباق العالم نحو الرقائق الإلكترونية، تتجه الأنظار إلى المصانع العملاقة والشرائح التي تزداد سرعة ودقة عامًا بعد آخر. وقد بلغت المبيعات العالمية لأشباه الموصلات نحو 791.7 مليار دولار في عام 2025. لكن وراء هذا الرقم صناعة أوسع لا تحظى عادة بالاهتمام نفسه: من يصمم الرقاقة، ومن يصنع المواد اللازمة لإنتاجها، ومن يحولها إلى جزء من جهاز يعمل بين أيدينا؟

فالرقاقة، مهما بلغت قدراتها، لا تعمل منفردة. تحتاج إلى لوحات تربطها بالمكونات الأخرى، ومواد تحميها، وعمليات تغليف واختبار، وبرمجيات وأنظمة تحكم. وهذه المراحل ليست صناعة واحدة؛ لكل منها تقنياتها وشركاتها وفرصها الاقتصادية. وربما تكون إحدى أهم الفرص السعودية في النظر إلى هذه السلسلة كاملة، بدل اختزالها في إنشاء مصنع للشرائح الأكثر تقدمًا.

في جدة، ثمة قصة صناعية تستحق أن تُعرف. فمنذ عام 2012، تعمل شركة «الرواد للأنظمة التقنية» في تصميم وتصنيع وتجميع الدوائر الإلكترونية، وأعلنت وصول قدراتها إلى تصنيع لوحات دوائر مطبوعة تصل إلى 64 طبقة. وللقارئ غير المتخصص، فإن هذه ليست مجرد طبقات توضع فوق بعضها؛ إنها شبكة بالغة التعقيد من التوصيلات، تتطلب ضبطًا دقيقًا للمواد والتصنيع والفحص حتى تعمل الدوائر بكفاءة وموثوقية. إنجاز كهذا، حققته شركة سعودية راكمت خبرتها على مدى سنوات، يستحق الفخر والتقدير.

ومن المهم توضيح أن اللوحة الإلكترونية ليست رقاقة أشباه موصلات. فالرقاقة تنفذ وظائف مثل المعالجة أو الاستشعار، بينما تتيح اللوحة اتصالها ببقية أجزاء الجهاز. والتمييز بينهما لا يقلل من قيمة أي منهما؛ بل يُظهر اتساع منظومة الإلكترونيات، وتعدد المجالات التي يمكن لشركاتنا أن تتخصص فيها.

والصورة السعودية لا تتوقف عند الرواد. فشركة «المواد الإلكترونية السعودية» تعلن امتلاك قدرات في تصميم وتصنيع واختبار وتغليف تقنيات أشباه الموصلات والمستشعرات الدقيقة داخل مرافق متخصصة. وفي جانب آخر، تعمل «SemChip» السعودية على تصميم الدوائر المتكاملة وإرسال تصاميمها إلى مصانع متخصصة لتنفيذها، وهو نموذج عالمي يتيح امتلاك المعرفة والتصميم دون امتلاك مصنع ضخم. وفي يوليو 2025، أعلنت «كاكست» تصنيع 25 رقاقة داخل مختبراتها لأغراض البحث والتطوير والتدريب. إنها مستويات مختلفة من العمل الصناعي والتقني، ولا يصح مساواتها بالإنتاج التجاري واسع النطاق، لكنها تؤكد أننا لا نبدأ من الصفر. غير أن معرفة ما نصنعه ليست سوى نصف القصة. النصف الآخر يتعلق بما تحتاج إليه هذه الصناعات لتستمر وتتوسع: من أين تأتي المواد والمكونات؟ وهل تستطيع الصناعات السعودية القائمة توفير بعضها، أو تطوير بدائل بمواصفات تنافسية؟ تحتاج مصانع الرقائق إلى غازات وكيماويات شديدة النقاء، وإلى مواد خاصة بالتغليف والحماية؛ وتحتاج مصانع اللوحات الإلكترونية إلى مواد عازلة وموصلة ذات خصائص دقيقة. وفي عام 2025 وحده، بلغت السوق العالمية لمواد تصنيع وتغليف أشباه الموصلات 73.2 مليار دولار، بحسب منظمة «SEMI». نحن إذن أمام فرص صناعية قائمة بذاتها، لا مجرد أنشطة هامشية في صناعة الرقائق. وهنا تظهر قيمة ما تملكه المملكة بالفعل. فلدينا قاعدة صناعية قوية في البتروكيماويات والبوليمرات والمعادن، وفي محفظة «سابك» مواد هندسية متخصصة لتطبيقات التعامل مع مكونات أشباه الموصلات والإلكترونيات. لكن وجود هذه المنتجات في محفظة شركة سعودية عالمية لا يعني بالضرورة تصنيعها داخل المملكة، كما أن توافر المادة الأساسية لا يعني جاهزيتها للاستخدام في مصنع رقائق؛ فدرجات النقاء والاعتماد الفني وثبات الجودة قد تتطلب تقنيات واستثمارات إضافية.

وفي قطاع المكونات الإلكترونية، يشير صندوق الاستثمارات العامة إلى فرصة لتصنيع المكونات غير النشطة محليًا، لسد فجوة مقدرة بنحو ملياري وحدة سنويًا، مع إمكان استخدام بعض بوليمرات «سابك» والمعادن السعودية المؤهلة. وهي ليست مواد تصنيع الشريحة نفسها، لكنها توضح كيف يمكن أن يتحول الطلب الصناعي إلى فرص جديدة أمام منتجي المواد والشركات المتخصصة. وتجربة «الفنار» في تطوير الموردين عبر برنامج «استدامه» تقدم بدورها نموذجًا لأهمية ربط المصانع بالصناعات المحلية التي تغذيها.

السؤال إذن ليس: هل نصنع الرقائق أم نستوردها؟ بل: أي الحلقات نستطيع دخولها بقيمة حقيقية، وكيف نربط الخبرات الموجودة اليوم بالمواد التي نملكها والأسواق التي تحتاج إليها؟ فقد تكون الخطوة التالية تطوير مادة أكثر نقاءً، أو مكون إلكتروني متخصص، أو شراكة تقنية تمنح شركة سعودية القدرة على توريد منتجاتها لمصانع عالمية. وما يحسم النجاح ليس الرغبة في التوطين وحدها، بل جودة المنتج وتكلفته واستمرارية توريده.

إننا نفخر بما تحقق حتى الآن؛ فالرواد وغيرها من الشركات الوطنية تستحق أن تُعرف إنجازاتها، وأن يُشكر من بنوا هذه القدرات بعيدًا عن الأضواء. ولشركة الرواد للأنظمة التقنية والقائمين عليها شكر خاص على إنجاز صناعي مشرف، يعكس ما تستطيع الخبرات الوطنية بلوغه حين تتوافر المعرفة والطموح والاستثمار. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله بهذا الفخر هو تحويله إلى اهتمام اقتصادي أوسع بالصناعات الموجودة والفرص التي يمكن أن تنمو حولها، بما ينسجم مع طموحات رؤية السعودية 2030.

ففي سباق الرقائق، قد لا يكون أهم سؤال نطرحه ما الذي سنصنعه غدًا، بل: هل نعرف جيدًا ما نصنعه اليوم، وما الذي نستطيع أن نصنعه انطلاقًا منه؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد