سارة النومس
اعتدت في مكتبي، أن أعمل بهدوء، وعندما تدخل إحدى الزميلات، فإنني أطلب منها الهدوء حتى أنتهي.
بعضهن يفضلن الذهاب والعودة في ما بعد، أما إحداهن فقالت لي إنها ستبقى صامتة حتى أنتهي.
وفعلاً قمت بالعمل بهدوء لوقت طويل حتى شعرت أنني وحدي في غرفة المكتب، فالتفتُّ لأتأكد، فصُدمت بها تنظر إليّ مباشرة، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، لماذا أنتِ صامتة وتنظرين إليّ هكذا كالتمثال؟ فأجابتني بأنه لا بأس في ذلك. فقلت لها: أنتِ مرعبة وأنتِ تتابعينني هكذا، أمسكي الهاتف وتابعي وسائل التواصل الاجتماعي. فأجابت: لست محتاجة إلى ذلك.
هذا الموقف جعلني أحقق معها لمدة طويلة: كيف؟ كيف يستطيع الإنسان اليوم أن يبقى هادئاً لمدة طويلة من دون أن يقوم بعمل ما؟ وفوجئت بها تقول إنها في المنزل تجلس ساعات طويلة من دون هاتف أو تلفاز أو حتى كتاب، بل تبقى صامتة لمدة طويلة في غرفتها. فقلت لها: كيف حال تركيزك؟ أجابتني: بأفضل حال.
نعم، زميلتي هذه تتمتع بقوة ذاكرة وتركيز، ما شاء الله. سألتها: هل أستطيع القيام بهذا أنا أيضاً؟
ذهبت إلى أحد المستوصفات في يوم، وكان هناك رجل يقف مع والدته التي تجلس على كرسي متحرك ينتظران دورهما. يمسك هذا الرجل بأوراق والدته، الطبية، وفي الوقت نفسه يضع السماعات في أذنيه وشاشة الهاتف أمامه، يتابع حلقة من مسلسل ما.
نحن مدمنون على استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل مخيف جداً، لدرجة أن الشخص الذي يبقى من دون شيء يشغله لمدة طويلة يدعو للريبة والتساؤلات.
مكتبتي في البيت مليئة بالكتب، وقررت أن أزيد ساعات القراءة اليومية حتى أنتهي قريباً من قراءة تلك الكتب كلها. في البداية كان الأمر صعباً، فلقد لاحظت استمراري في العبث بهاتفي وفتح وسائل التواصل الاجتماعي فقط للمتابعة، وليس لأمر مهم. حينها أبعدت الهاتف عني، وجلست على كرسي القراءة أقرأ الكتاب.
شعرت بالملل وبأنني بحاجة إلى القيام بعمل ما؛ ربما تحضير القهوة، أو ترتيب الغرفة، أو متابعة حلقة من مسلسل «الأصدقاء». كل هذه الأفكار جاءت عندما أردت فقط قراءة كتاب. هل الكتاب ممل؟ لا، ولكن الشعور جديد؛ فقد كنت أنهي كتاباً في يومين، والآن يبقى الكتاب معي لمدة شهر إلى شهرين حتى أنهيه.
ما الذي يجعلنا نفكر كثيراً في القيام بأشياء كثيرة في الوقت نفسه؟ لماذا لا نعطي كل شيء حقه من الوقت؟ على الرغم من أنني أحب التنظيم بشكل كبير، فإنني دائماً أرى أن 24 ساعة في اليوم مدة قليلة مقارنة بالمهام التي نريد القيام بها؛ فأغلب اليوم يذهب في العمل والنوم، وتبقى ساعات قليلة جداً للقيام بالمهام والإنجازات، أو ربما ممارسة الرياضة وتعويض الجسم عن أوقات الاستلقاء والنوم أو الجلوس لمدة طويلة في العمل.
إن فكرة عمر الإنسان المحدود والقصير، تجعله يشعر بعدم الإنجاز باستمرار، حتى وإن كان شخصاً منجزاً حقاً؛ فالتعطش للإنجاز لا ينتهي، وهذا ما يجعلنا نقلق بشأن الوقت. لكن التناقض الذي نعيشه مرعب جداً؛ نحن نخاف من تضييع الوقت، ونضيعه في تفاهات كتصفح مقاطع فيديو قصيرة لا تنتهي. غالباً ما يبحث عقلنا عن الراحة أكثر من الفائدة.
قراءة الكتاب تحتاج إلى صبر وتركيز وجهد، وتحمُّل الملل أحياناً إذا كان الكاتب مصرّاً على ذكر تفاصيل لا تهم في الرواية. أما الهاتف فيعطينا ترفيهاً فورياً، ومعلومات جديدة كل ثانية، بعضها معلومات مغلوطة، وشعوراً موقتاً بالمتعة والهروب من ضغوط الحياة والعمل.
ونبرر لأنفسنا أننا لم نقطع صلة الرحم؛ لأنهم موجودون في الهاتف الذي بأيدينا، وفي أي وقت نستطيع الاتصال بهم. ولا حاجة لنا اليوم إلى ارتداء الملابس والذهاب إلى السوق؛ نستطيع التسوق عن طريق الهاتف، ونستطيع العمل أيضاً عن طريق الهاتف.
الكثيرون اليوم لا يذهبون إلى مكتب ويرون زملاءهم، وإنما يعملون في البيت عن طريق الحاسوب المحمول أو الهاتف. بل أعتقد أن الهاتف كان أحد أسباب عزوف الشباب عن الزواج؛ فالجميع أصدقاء وموجودون في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا أحد يشعر بالوحدة والعزلة. بل عندما يتحدثون عن الأسرة والزواج، فإنهم يذكرون الجوانب السلبية، ما يعزز قناعة الشباب بآرائهم.
السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا دائماً: إذا اختفت الأجهزة الإلكترونية والإنترنت، هل نستطيع الإنجاز في حياتنا؟ بعد أن اعتدنا البقاء لمدة طويلة والعمل خلف الشاشات، ولوحدنا من دون أناس حولنا أغلب الوقت، ماذا سيحدث لنا عندما تعود الحياة كالسابق؛ نزور بعضنا بعضاً دون اتصال، ونتسوق في المحلات؟
لقد ابتسمت وحزنت في الوقت نفسه عندما سمعت أغنية الفنان الراحل عبدالكريم عبدالقادر، وهي: «ما كان في هالدنيا ورق ولا بريد».
لقد غناها في وقت كان الناس يرسلون الرسائل وينتظرون الرد خلال أسابيع، وأحياناً أشهر. أما اليوم، فتصل الرسالة خلال ثانية أو ثانيتين فقط. كيف نتحمل التخلي عن هذه المميزات؟

