كنا في الدوحة يومها بدعوة من جمعية «تكريم» التي يرأسها الزميل ريكاردو كرم. وكان الفندق شبه خالٍ، إلا من ضيوف «تكريم». لفتنا، صديقي وأنا، رجل يجلس وحيداً طوال النهار، بلا رفاق، بلا أصدقاء، وبلا أي اهتمام.
في انتظار موعد حفل «تكريم» لم نخرج من الفندق إلى أي مكان، ولا الرجل الوحيد الذي لا يقرأ كتاباً، أو صحيفة، أو يتحدّث إلى هاتف.
بعد الظهر، ظل المشهد مثل لوحة قديمة. رجال القذافي -الذي كان قد انتهى عهده، وتفرّق رجاله-، وها هم يتأملون الجدران في الفنادق الخالية.
خطر لي أن ألقي التحية على صاحب الاسم الذي كان مرعباً قبل حين. لكنني خفت أن يبدو ذلك تطفّلاً على وحدته الهائلة. مرّت في بالي صور كثيرة لردهات الفنادق الخالية، والأقوياء المنسيين. ماذا سيفعل هذا المعتزل في البهو بالأسرار التي يحملها معه، وفيها موت ورعب وخفايا؟ هل سوف يبوح بشيء عن حقائق لوكربي؟ هل سوف يلقي ضوءاً ولو شحيحاً على خطف الإمام موسى الصدر، الذي يظل غيابه إحدى أكثر القضايا غموضاً في التاريخ؟
مرّت 48 سنة على اختفاء الصدر وهو ضيف على واحد من أكثر الأنظمة خفّة، واستهتاراً، ولا شيء سوى المزيد من الغموض، سواء في موضوع لوكربي، وسماسرتها، أو في موضوع قضية الرجل الذي كان يخيف قوى كثيرة في لبنان، ساحة الصراعات المدعوة من كل مكان.
بعد نصف قرن من غياب الصدر، ترفض قضيّته أن تغيب. ويبدو من السرد أن رجلاً واحداً كان مسؤولاً عنها، هو الأخ القائد نفسه. وقد رفض الكلام. وذهب الشاهد الوهم على زمن الهوس إلى الصمت. كان اسمه موسى كوسى.

