عبد الله سليمان الطليان
حين وضع الإمام عبدالقاهر الجرجاني نظريته في (النظم) قبل ما يقارب ألف عام، لم يكن يناقش الشعر وحده، بل كان يؤسس لمبدأ خالد في الإبداع الإنساني؛ وهو أن قيمة الكلام لا تُقاس بحداثة معانيه، وإنما بالطريقة التي تُنظم بها تلك المعاني، وبالعلاقات التي تنشأ بين الألفاظ، وبالأثر الذي يتركه النص في عقل المتلقي وقلبه. وقد تبدو هذه الفكرة تراثية لأول وهلة، لكنها اليوم تبدو أكثر راهنيه من أي وقت مضى.
فنحن نعيش عصرًا انفجرت فيه المعرفة، وأصبحت المعلومات متاحة للجميع. وبظهور الذكاء الاصطناعي، لم يعد الوصول إلى الأفكار أو جمع النصوص أو تلخيص الكتب أمرًا يحتاج إلى جهد كبير، بل صار يتم في ثوانٍ معدودة. وهنا يبرز سؤال جوهري: «إذا أصبحت المعرفة متاحة للجميع، فأين يكمن الإبداع»؟ لقد أجاب الجرجاني عن هذا السؤال قبل أن يولد عصر الحواسيب بقرون. فالمعاني -في نظره- ليست هي موضع التفاضل بين الناس؛ لأنها مشاعة يتداولها الجميع، أما التميز الحقيقي فهو في حسن التأليف، ودقة الاختيار، وجمال العرض، وقوة الحجة، وروعة البيان. وهذه الحقيقة لا تنطبق على الشعر وحده، بل تمتد إلى المقالة، والخطبة، والبحث العلمي، والإعلام، بل وحتى إلى النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع آلاف الأفكار، ويستحضر النصوص، ويقارن بين الآراء، ويعيد ترتيب المعلومات بسرعة مذهلة، لكنه لا يعيش التجربة الإنسانية، ولا يحمل ضميرًا أخلاقيًا، ولا يمتلك وعيًا يقيس به أثر الكلمة في النفوس. إنه يقدم المادة الخام، أما الرؤية، والحكمة، والقدرة على تمييز ما ينبغي أن يُقال، وكيف يُقال، ولماذا يُقال، فتبقى مسؤولية الإنسان.
ومن هنا، فإن الكاتب في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد مهمته البحث عن فكرة لم يسبقه إليها أحد؛ فذلك يكاد يكون مستحيلًا في زمن تتدفق فيه المعرفة بلا حدود. وإنما أصبحت مهمته أن يمتلك رؤية نقدية، وأن يحسن قراءة الأفكار، وأن يربط بين الماضي والحاضر، وأن يضفي على المعرفة معنى جديدًا يلامس واقع الإنسان ويجيب عن أسئلته.
وهكذا يتبيَّن أن الزمن لم يتجاوز الجرجاني، بل أثبت عمق بصيرته. فما قرره في القرن الخامس الهجري أصبح اليوم قاعدة من قواعد الإبداع في العصر الرقمي. فليست العبرة بكثرة المعلومات، ولا بسرعة الوصول إليها، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى معرفة نافعة، وإلى خطاب مؤثّّر، وإلى فكر يضيف إلى الإنسان، لا أن يكرر ما يعرفه.
ولعل المفارقة الجديرة بالتأمل أن عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يظنه كثيرون عصرًا لانتهاء دور الكاتب، قد أعاد الاعتبار إلى الفكرة التي دافع عنها الجرجاني منذ قرون؛ وهي أن الإبداع لا يبدأ من امتلاك المعلومة، بل من حسن توظيفها. فالمعلومات أصبحت متاحة للجميع، أما البصيرة، وسلامة الحكم، وصدق الرسالة، وجمال البيان، فهي لا يزال يميز الكاتب الحقيقي عن مجرد ناقلٍ للكلمات، ويميز العقل المبدع عن الآلة التي لا تتجاوز حدود ما أُتيح لها من بيانات.

