: آخر تحديث

النيجر... استبدال تبعية بأخرى

13
28
13

كشفت المحاولة الانقلابية الأخيرة على نظام الجنرال عبد الرحمن تشياني في النيجر عن الدور الذي لعبته روسيا والجزائر في إحباطها، مع اختلاف واضح في أسلوب المشاركة. فقد تدخل "الفيلق الروسي" لمساعدة القوات الموالية للنظام، بينما قدمت الجزائر دعماً عسكرياً تمثل في إرسال أربع طائرات مقاتلة من طراز "SU-30"، إلى جانب طائرة للتزود بالوقود في الجو ومعدات أخرى، استجابة لطلب القيادة العسكرية في نيامي.

تكتسب الخطوة الجزائرية دلالةً خاصة، ذلك أن الجزائر حرصت دائماً على عدم الظهور كقوة إقليمية تتدخل عسكرياً خارج حدودها، وتتمسك بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول مع استثناء وحيد هو تدخلها من داخل حدودها، لمناكفة المغرب وضرب وحدة ترابه من خلال تقديم دعم لا مشروط الى جبهة "بوليساريو" التي تسعى لانفصال الصحراء عن المغرب. لكن النقطة المثيرة في كل هذا هي أن دعمها العسكري للسلطة في النيجر يمثل انخراطاً لافتاً في أزمةٍ داخلية صرفة تتعلق بانقسام المؤسسة العسكرية.وإذا لم تكن هناك، حتى الآن، أدلة موثوقة على مشاركة الجزائر في العمليات القتالية ضد المتمردين، فمن المبالغة القول إنها "أحبطت الانقلاب". الأدق أنها قدمت دعماً عسكرياً للسلطة الحاكمة، وهو ما يعني أنها وضعت رجلاً في مستنقع أمني وسياسي كبير يصعب الخروج منه بسهولة.وتفسر اعتبارات عدة هذا الموقف، في مقدمها الأمن الحدودي. فالنيجر دولة جوار للجزائر، وحدودهما تمتد مسافة طويلة في منطقة صحراوية شديدة الحساسية. وأي انهيار للنظام في نيامي قد يخلق فراغاً أمنياً، ويزيد نشاط الجماعات الجهادية المسلحة وتمددها نحو الجنوب الجزائري ، ويفتح المجال أمام موجات نزوح وتهريب السلاح والمخدرات.

تخشى الجزائر أيضا من تفكك منطقة الساحل التي تعتبرها مجالاً استراتيجياً لأمنها القومي. فاضطراب النيجر قد يمتد إلى مالي وبوركينا فاسو، وربما جنوب ليبيا، بما يؤدي إلى مزيد من تراجع نفوذها لصالح قوى خارجية،وفي مقدمتها روسيا التي توجد لها مصالح استراتيجية في النيجر،وتسعى إلى تثبيت حليف مهم حتى لا تخسر أحد مواقع نفوذها في الساحل.زد على ذلك أن بقاء نظام الجنرال تشياني يعزز تماسك «تحالف دول الساحل» الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

هل يمثل الدعم الجزائري لنيامي منافسة للوجود الروسي؟ لا توجد، حتى الآن، مؤشرات إلى صدام روسي-جزائري في النيجر. فروسيا تريد توسيع نفوذها العسكري وتقوية تحالف الساحل وإزاحة ما تبقى من النفوذ الغربي، بينما تسعى الجزائر أساساً إلى منع الفوضى على حدودها والحفاظ على نفوذها التقليدي في المنطقة، ومنع أي قوة خارجية من احتكار الأمن الإقليمي،وان تكون ، وهذا هو الأساس،  مستقلة عن اي منظومة امنية تقودها روسيا لاسيما في مجال تعتبره الجزائر حيويا واستراتيجيا  .

لقد أعاد التمرد الأخير في نيامي إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: لماذا يستمر حكم العسكر إذا كانت الأسباب التي برر بها وصوله إلى السلطة لا تزال قائمة؟

في عام 2023 أطاح الجنرال تشياني بالرئيس المدني محمد بازوم ، مبرراً الانقلاب بفشل حكومته في حماية البلاد من الجماعات المسلحة المرتبطة بـ«القاعدة» و«داعش». وبعد ثلاث سنوات من حكمه ، ما زالت الأزمة الأمنية قائمة، بل امتدت الهجمات إلى مناطق واسعة من غرب البلاد، وصولاً إلى العاصمة نيامي ومطارها وقواعد عسكرية.وبذلك لم يعد العسكر هم فقط من يحاسبون السلطة المدنية على فشلها الأمني، بل أصبحوا هم أنفسهم موضع مساءلة داخل المؤسسة العسكرية. ومن هنا لا يمكن النظر إلى محاولة 29 اب/أغسطس الماضي باعتبارها مجرد صراع بين الجيش والحكومة، بل باعتبارها تمرداً داخل النظام العسكري نفسه.

لقد كسب نظام تشياني في بداياته شعبية واسعة برفع شعار «استرجاع السيادة» وإعادة صياغة العلاقات مع فرنسا والدول الغربية. لكنه لم يتمكن من حل المشكلات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ليضطر في الأخير ، إلى الاستعانة بالخارج لإخماد تمرد داخل جيشه. ومن ثم يتبين أن ما قدم باعتباره نهاية للتبعية للغرب تحول إلى مجرد استبدال تبعية بأخرى.

إن ما حدث في النيجر ليس سوى حلقة جديدة في تاريخ طويل من الانقلابات الإفريقية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي شهدت القارة أكثر من 200 محاولة انقلاب، بينها أكثر من مائة انقلاب ناجح، وفق قواعد بيانات أكاديمية متخصصة.

لقد أثبت الواقع أن مكان العسكر الحقيقي هو الثكنات وحماية الحدود، لا السياسة وإدارة الحكومات. فالدول التي تحكمها طغم عسكرية نادراً ما تخرج من أزمة حتى تدخل أخرى. إنها، في نهاية المطاف، ماركة إفريقية مسجلة بامتياز، بعدما تراجعت موجة الانقلابات العسكرية في أميركا اللاتينية.


 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد