تشهد المنظومة الصحية في البلاد تحولا استراتيجيا يعيد تعريف دور وزارة الصحة الذي عرفناه سابقا، لتتركز مهامها على تنظيم القطاع ورسم سياساته ومراقبته، فيما تتولى شركة الصحة القابضة تقديم الخدمات الصحية مباشرة، ويستدعي هذا التحول مراجعة الخارطة التنظيمية للقطاع، بما يعزز الحوكمة والتكامل ويوضح المسؤوليات بين الجهات.
وتضم المنظومة هيئات ومراكز وطنية متخصصة، منها هيئة الصحة العامة (وقاية)، والمجلس الصحي السعودي، والمركز السعودي لاعتماد المنشآت الصحية (سباهي)، والمركز السعودي لسلامة المرضى، والمركز الوطني للطب البديل والتكميلي، والمركز السعودي لزراعة الأعضاء، والمركز الوطني للمعلومات الصحية، إلى جانب مجلس الضمان الصحي.
ويمثل تعدد هذه الجهات رصيدا وطنيا من الخبرات والتخصصات، لكنه يطرح سؤالا مهما: هل تتوزع الأدوار والصلاحيات بينها بوضوح يضمن تكامل الجهود ويحد من تداخل الاختصاصات وازدواجية العمل؟ فبعض هذه الجهات يضع معايير وضوابط فنية، وبعضها يؤدي أدوارا تنسيقية أو تشغيلية، فيما يتولى بعضها الآخر مهام تنظيمية محددة، لذلك، تبرز الحاجة إلى مراجعة الخارطة التنظيمية للقطاع، وتحديد مجالات التكامل والارتباط بين الجهات، بما يضمن وضوح المسؤوليات وكفاءة الأداء.
وفي تقديري، تستدعي المرحلة إنشاء (كيان وطني) مستقل للحوكمة والتنظيم الصحي، يجمع عددا من الجهات ذات الأدوار التنظيمية والرقابية والمعيارية المتقاربة، ويوحد توجهاتها ويحدد مسؤولياتها، مع الحفاظ على استقلال الرقابة وخصوصية مهام المراكز التخصصية، ويتولى هذا الكيان تنسيق السياسات والمعايير وتكامل البيانات، بما يعزز كفاءة القرار ويحد من تداخل الاختصاصات.
ويكتسب هذا المقترح أهمية أكبر مع التحولات التنظيمية التي يشهدها القطاع، ومنها انتقال صلاحيات تنظيم التأمين الصحي إلى هيئة التأمين، بما يستدعي تحديث الخريطة المؤسسية وتوضيح مرجعيات الجهات ومسؤولياتها.
ومن شأن وضوح الصلاحيات وتكامل الأدوار أن يسهم في تسريع اتخاذ القرار، والحد من تشتت الجهود، وتوجيه الموارد والاستثمار نحو الأولويات الصحية. ويتطلب ذلك رقابة فاعلة ومستقلة على مقدمي الخدمات في القطاعين العام والخاص.
ويظل المواطن والمقيم معيار نجاح أي تطوير تنظيمي؛ إذ ينبغي أن ينعكس وضوح الأدوار وتكامل الجهات على سهولة الوصول إلى الخدمة وسرعة الحصول عليها وسلامة رحلة المستفيد، دون أن يضطر إلى التنقل بين جهات متعددة لإنجاز ما يحتاج إليه.
كما أن توحيد قواعد البيانات الصحية وتبادل المعلومات بين الجهات يدعم اتخاذ قرارات أدق، ويساعد على توجيه الاستثمار إلى الاحتياجات الفعلية.. وبذلك تتجه المنظومة نحو حوكمة أكثر رشاقة وتكاملا، تضع صحة الإنسان وجودة حياته في صدارة أولوياتها.

