لم يعد المراسل الأجنبي مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح عنصراً مؤثراً في تشكيل الصورة الذهنية للدول، خصوصاً عندما يعمل لدى وكالة أنباء عالمية تتناقل وسائل الإعلام تقاريرها وتحليلاتها باعتبارها مصادر موثوقة، وقد تتحول تغطية صحفية واحدة إلى انطباعات واسعة تؤثر في سمعة دولة ومكانتها السياسية والاقتصادية.
ولا شك أن الجهات المختصة في المملكة تولي تنظيم عمل المراسلين الأجانب واعتمادهم اهتماماً كبيراً، وفق أنظمة وإجراءات مهنية، لكن ما أود طرحه هنا يأتي في إطار التطوير المستمر، ومدى إمكانية التوسع في دراسة السجل المهني للمراسل الأجنبي، وطبيعة تغطياته السابقة، ومدى التزامه بالمصداقية والموضوعية، قبل منحه الاعتماد للعمل في المملكة.
مع قناعتنا أن المراسل يعمل وفق السياسة التحريرية للمؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها، لكن ذلك لا يلغي تأثير قناعاته الشخصية وخياراته المهنية في صياغة التقارير وانتقاء المصادر والصور، فهناك فرق بين التزام المراسل بتوجهات مؤسسته، وبين تدخله في تفسير الوقائع أو تقديم انطباعاته الشخصية باعتبارها حقائق، والتاريخ الإعلامي شهد حالات عديدة تؤكد أهمية هذا التمييز، فالتقارير الأخيرة التي قدمها كبير مراسلي وكالة رويترز في السعودية، تيمور أزهري، مثال يستحق التوقف عنده من الناحية المهنية، خصوصاً طريقة معالجته لبعض الأحداث الأخيرة في المملكة والتي أثارت تساؤلات حول الحياد والتوازن بين نقل الوقائع وصناعة الانطباعات!.
ففي تقريره الأخير على سبيل المثال من داخل المملكة، تناول رحلته براً باتجاه دبي، وربط تلك التطورات بتضرر مكانة المملكة بوصفها ملاذاً آمناً في المنطقة، صحيح اننا نمر حالياً بظروف استثنائية، لكن الانتقال من هذه الأحداث إلى استنتاجات واسعة عن مكانة دولة بأكملها يستدعي أدلة ومؤشرات، ومراجعة مهنية لطريقة صياغة الرسائل الإعلامية.
الفكرة تتعلق بأهمية التقييم المسبق لمن يمارس عملاً مؤثراً داخل الدولة، وفق الأنظمة والضوابط المعمول بها. فمع ما نعيشه من تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبرى، أصبحت بلادنا محط اهتمام إعلامي عالمي متزايد، مما يجعل تطوير أدوات التقييم المهني للمراسلين الأجانب خطوة تستحق الدراسة، وفق معايير عادلة تستند إلى الأداء والأخطاء المثبتة، بعيداً عن الجنسية أو الاختلاف في وجهات النظر.
فنحن لا نبحث عن مراسل يكتب ما نحب، وإنما عن صحفي يحترم الحقيقة ويدرك مسؤولية الكلمة والصورة وأثرهما في سمعة الدول ومصالحها، فالدراسة المعمقة للسجل المهني للمراسل الأجنبي ليست تقييداً لحرية الصحافة، وإنما تعزيز لمهنيتها، وحماية لمصداقيتها، وتطوير لمنظومة إعلامية تستحق أن تواكب مكانة المملكة وحضورها العالمي.

