على بُعد مسافة ليست ببعيدة عن العاصمة الرياض، تتنفس بلدة القصب بوابة الوشم الشرقية ؛ عبق التاريخ الممزوج ببياض أراضيها المالح، تلك الأرض التي لم تكن يوماً مجرد جغرافيا، بل كانت وما زالت شريان حياة ومصدر فخر لأهلها. حيث اتخذ أهالي القصب منذ القدم من الملح رفيقاً ومهنةً أولى منذ مئات السنين؛ يسردون من خلاله قصتهم مع الصبر، وينقلون عبر جودته وقيمته العالية اسم بلدتهم إلى كل بيت داخل المملكة وخارجها.
وهذا التأصل الإنساني العميق هو ما منح «موسم ملح القصب» روحاً تختلف عن أي حدث آخر؛ إذ لم يكن في نسخه الثلاث الماضية مجرد موسم سياحي، بل كان بمثابة تكريم سنوي لساعد الإنسان الذي استخرج هذا البياض، واحتفاءً حياً بذاكرة المكان. وفي نوفمبر المقبل، تعود القصب لتفتح ذراعيها في الموسم الرابع، لتستكمل تلك الحكاية الوطنية وترسم فصلاً جديداً يُلهم الزوار ويُحيي موروث الآباء والأجداد بأسلوب مبتكر.
سيكون الزائر على موعد بإذن الله مع تجربة وجدانية تبدأ من المملحة النموذجية المجانية لعبدالرحمن المقحم ، وممالح اخرى حيث لا يشاهد المرء مجرد خطوط إنتاج وتفاصيل تشغيلية دقيقة لاستخراج الملح وضمان سلامته، بل يلمس كيف حولت الأيدي السعودية حبّات الملح الصماء إلى ثروة وطنية.
ومن الممالح، تسري الروح إلى أفنية القرية التراثية بالقصب، حيث المتاجر التي يديرها أهالي المنطقة بشغف، ليقدموا للزائرين ملح أراضيهم ومنتجاتهم القريبة من قلوبهم، إلى جانب المطاعم والمساحات الترفيهية التي تجمع العائلات في أجواء ملؤها الدفء والألفة.
وفي إطار الفكر والفن، سيتنفس الموسم عبق الأصالة من خلال الأمسيات الأدبية والتاريخية التي تستعيد أمجاد الوشم وشعراءه، ليمتزج صهيل الخيل في مهارات الرماية والتقاط الأوتاد مع إثارة عروض الطيران اللاسلكي وأناقة السيارات الكلاسيكية، وصولاً إلى منطقة الفن التشكيلي ونادي القصب ، التي تحول بياض الملح إلى لوحات تحاكي الخيال.
إن موسم ملح القصب المرتقب ليس مجرد استثمار في مادة طبيعية، بل هو استثمار في «الإنسان»؛ فهو يمنح الحرفي الصغير والأسر المنتجة فرصة لترجمة حبه لأرضه إلى مصدر رزق كريم وأثر تنموي مستدام.
وهو لقاء تتجدد فيه المحبة بين الزائر والمكان، وشهادة حية على أن أصالة التراث حين تعانق روح المستقبل، تصنع فخراً وطنياً يتوارثه الأحفاد جيلًا بعد جيل، فشكراً للأستاذ محمد بن سعد القصبي المدير التنفيذي لموسم الملح ولفريق العمل كافة، ولجمعية التنمية الأهلية بالقصب ومركز القصب وبلدية القصب والجهات الأمنية ؛وجميع الجهات المشاركة في تنظيم هذا الحدث؛ تقديراً لجهودهم المتميزة في إخراجه بالشكل الذي يليق بتاريخ البلدة كأيقونة وطنية ناصعة البياض، تفخر بإرثها وتلهم أبناءها، وتنشر روح الأصالة في كل ربوع وطننا الغالي.

