: آخر تحديث

اتفاقية مكة التاريخية.. الدلالات والرسائل!

4
4
3

محمد بن عيسى الكنعان

عكست وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مشاعر الفرح والسرور التي اكتسحت مملكتنا الغالية، وخليجنا العزيز، ومحيطنا العربي، وعالمنا الإسلامي ابتهاجًا بخبر اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تم التوقيع عليها بجوار البيت العتيق، في رحاب الحرم الشريف بمكة المكرمة، من قبل المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان الإسلامية، يوم الجمعة 7 أغسطس 2026م (24 صفر 1448هـ). في المقابل؛ فإن الصدمة - التي هي اشبه باللطمة - قد ارتسمت على أبواق الإعلام المأجور، وأقلام الفتنة بسبب هذه الاتفاقية التاريخية، حتى أن الشلل أصاب تفكير مرتزقة الشيكات، وتجار الشنطة، وأصحاب النيات الخبيثة، الذين لم يترددوا في النياح والنباح، فتارةً يشككون بجدوى هذه الاتفاقية وفاعليتها، وتارةً أخرى يحاولون التقليل من أهميتها الاستراتيجية ودورها في تحقيق السلام وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتارةً ثالثة يحذرون من أبعادها السياسية، وتأثيراتها العسكرية على الوحدة الخليجية أو التعاون العربي، وما إلى ذلك من تخريفات باسم (التحليل السياسي)، وتخرصات باسم (النظرة الإستراتيجية)، وهي في كل الأحوال تعكس الأزمة التي يعيشونها لا أخرجهم الله منها؛ على الرغم من أن إعلان الاتفاقية جاء في مشهد استثنائي، أسعد الحكماء، واحترمه العقلاء، وصفق له الشرفاء، فقد جرى توقيعها تحت أنظار العالم ما يؤكد قوتها، وعظمة الدول التي أبرمتها، كما تؤكد أن روح التعاون لم تنعدم في الأمة، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، فضلًا عن أن بنود الاتفاقية، وأهدافها، ومرجعيتها كانت محددة ودقيقة وبلغة واضحة، فهي اتفاقية أمنية ودفاعية استراتيجية مُتعددة الأطراف غير موجهة لأي دولة. هذه الاتفاقية التاريخية تقوم على مبدأ الدفاع المشترك (الجماعي): من واقع نصها: «أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على جميع الدول الأطراف»، كما تتمتع بالمرجعية القانونية والدولية، حيث تستند إلى حق الدفاع الشرعي عن النفس المكفول بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

كذلك تمتاز هذه الاتفاقية برفع مستوى التعاون الدفاعي والعسكري، من خلال تعزيز التنسيق المشترك، والالتزام بتطوير كافة أوجه هذا التعاون بين الدول الثلاث، وتكامل القدرات العسكرية والصناعية والتقنية الدفاعية، ورفع كفايتها إلى مستويات أعلى، بما يخدم المصالح الوطنية للدول الثلاث والمنطقة بشكل عام.

هذه الاتفاقية المباركة -بإذن الله- التي جاءت بظرف إقليمي حساس حملت كثير من الدلالات الواقعية والرسائل الإستراتيجية، أولها قدسية المكان، وشرف الزمان، ومكانة الدول الموقعة وحجمها، وأبعاد الاتفاقية الإقليمية والدولية، فلم توقّع بإحدى عواصم دول الاتفاقية، إنما في على أرض جامعة، هي أطهر بقعة، وبجوار بيت الله الحرام، في مكة المكرمة مهوى أفئدة المسلمين ومحط أنظارهم، وكأن المعتمرين وزوار البيت العتيق حاضرون مراسم التوقيع، والمسلمون من خلفهم في أنحاء العالم شاهدون على ذلك.

وهذه دلالة بالغة على سمو أهدافها وغاياتها النبيلة التي تكرس قيم الإسلام الحضارية بالتعاون، والوحدة، والأخذ بأسباب القوة، كما ترمي إلى دعم الاستقرار، ونشر الأمن، وإشاعة السلام، خصوصًا أن هناك من يسعى إلى نشر الفوضى في منطقتنا، وتمزيق بلدانها بالحروب والصراعات الداخلية.

كما أن الاتفاقية وقّعت في خير يوم طلعت عليه الشمس، وهو يوم الجمعة، الذي يحظى بالاعتبار الديني والتقدير الدنيوي، وهذه دلالة على الأهمية البالغة للاتفاقية من واقع تأريخها الزمني وارتباطها المكاني. أما الدول الموقعة عليها فهي دول كبرى ومحورية، تتمتع بمقومات كبيرة، وخصائص منفردة، فالمملكة العربية السعودية تُشكل المكانة الإسلامية والثقل الاقتصادي والقوة المالية (ناتجها المحلي الإجمالي يتجاوز تريليون دولار)، والموقع الإستراتيجي، فضلًا عن الناحية العسكرية، والجمهورية التركية تُشكل القدرات العسكرية العالية والتصنيع الحربي المتفوق، وخاصية تمركزها بين آسيا وأوروبا، وجمهورية باكستان الإسلامية تُشكل القوة النووية الرادعة والصناعة الحربية والطاقة البشرية (أكثر من 259 مليون نسمة). لذلك دول بهذا الحجم والإمكانات وتبرم اتفاقية دفاع مشترك، فهذا لا يعني فقط رفع مستوى الجاهزية العسكرية لمواجهة أي تهديدات، أو أفعال عدائية، بقدر ما تٌعيد رسم المنطقة نحو مزيدًا من الأمن والاستقرار الإقليميين، ومواجهة تحديات الأمنية، وإفشال المشروعات التوسعية، وإعادة ضبط التحالفات التي تتم من بعض الأطراف خلافًا لمصالح المنطقة، وبالتالي بعث رسالة اطمئنان لشعوب المنطقة، خاصةً أن الدول الثلاث (السعودية، وتركيا، وباكستان) تتمتع بالموثوقية الكافية، والمصداقية العالية على مستوى مواقفها السياسية وحتى تدخلاتها العسكرية. وهنا تكمن ميزة اتفاقية مكة للدفاع المشترك بقبولها العام من قبل دول المنطقة وشعوبها الخليجية والعربية، وحتى الأجنبية كما هو الموقف الإيجابي تجاه الاتفاقية من قبل الصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد