: آخر تحديث

ما قد يغيب عن طهران

4
4
4

لا بد من أن الحكومة في طهران سوف تجد نفسها في حرج شديد، وهي تطالع معنا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أرجأ العودة إلى ضرب إيران، استجابة لعدد من قادة الخليج.

وربما سوف يجد الرئيس ترمب أنه هو ذاته في حرج كحرج الحكومة الإيرانية، إذا ما خلا إلى نفسه وتأمل معنى أن ينصحه القادة في عواصم الخليج بإرجاء العودة للحرب، والعمل بدلاً من ذلك على مسعى الدبلوماسية والسلام.

سوف تجد حكومة المرشد أنها في حرج؛ لأنها سترى هذه المرة بشكل عملي، أن دول الخليج كانت منذ البداية ضد وقوع الحرب أصلاً، وكانت تنصح الإدارة الأميركية بأن تُفسح الطريق للجهد الدبلوماسي، وكانت تهمس في أُذن سيد البيت الأبيض بأن الحرب في الخليج ليست حلاً ولن تكون، وأن الأولوية لا بد من أن تكون للدبلوماسية والسياسة.

كانت تفعل ذلك وتعلنه، ولكن المشكلة أنها لم تكن تستطيع إلزام ترمب برأيها، ولا كانت تستطيع أن تمنعه من إعطاء أُذنيه لحكومة التطرف في تل أبيب، تصب فيهما طول الوقت ما يؤدي إلى الحرب لا إلى السلام.

وليس سراً أن وقف الحرب في الثامن من الشهر الماضي، بعد قتال دام أربعين يوماً، لم يعجب حكومة التطرف الإسرائيلية ولا جاء على هواها، وليس سراً أيضاً أنها عاشت منذ وقف حرب الأربعين يوماً تنفخ في رمادها لعله يشتعل من جديد. لم يكن هذا سراً على طول الفترة من وقف الحرب إلى أن أعلن الرئيس الأميركي استجابته لمطلب قادة الخليج.

وقد كنا نقرأ يوماً بعد يوم لوزير الدفاع الإسرائيلي، أن بلاده في انتظار إشارة خضراء من واشنطن لتعود الحرب على إيران إلى سيرتها الأولى!

كان هذا يكفي لأن ترى إيران وتقارن بين المواقف، وكان هذا يكفي لأن يجعلها تميز بين دول ست على الشاطئ الغربي للخليج، تراه جسراً للتواصل مع الجارة الإيرانية على شاطئه الشرقي، وبين دولة إسرائيلية هناك على المتوسط لا تترك فرصة إلا وتحرض فيها الولايات المتحدة وتستدرجها إلى إعلان الحرب على الإيرانيين.

وعندما قرر الرئيس ترمب إطلاق ما سمَّاه «مشروع الحرية» لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة بالقوة، لم تسمح السعودية باستخدام أرضها للمشاركة في إطلاق المشروع، وكان رفضها سبباً في تعطل إطلاقه، وقد جرى الإعلان عن ذلك من غير طريقها، رغم أنها كانت تستطيع أن تعلن هي، وأن توظف ما تعلنه كما تحب، غير أنها رأت أن موقفها سوف يصل إلى العالم، وسوف تعرفه إيران أيضاً، وسوف يكون خطوة مضافة في طريق طويل بدأته الرياض في منطقتها، ولا تزال تواصله.

لهذا كله، وهو بعض من كل، سوف تجد الحكومة في طهران أنها في حرج، وسوف تود لو أنها اعتذرت عن أعمال عدوانية أصابت الأراضي السعودية منها تارة، وأصابت بقية الأراضي الخليجية منها تارة أخرى، ولولا أن العزة سوف تأخذها بالإثم في الغالب، لبادرت تعتذر وتقول إنها خلطت بين دول جارة ترى أن الجوار له حرماته، وبين دولة أخرى هناك تحتل أرض فلسطين، ولا ترى أي حرج في استهداف أي أرض أخرى.

أما حرج الرئيس ترمب فلن يستشعره إلا إذا خلا إلى نفسه يسترجع ما كان منه، منذ أن أعطى أُذنيه لرئيس حكومة التطرف في تل أبيب، أو للذين يحيطون به ممن يميلون إلى ما تميل إليه الحكومة في إسرائيل.

صحيح أن الولايات المتحدة كانت لها مكاسبها من وراء هذه الحرب، ولكنها كانت تستطيع تحقيق مكاسب كهذه بغير الذهاب للحرب، وكانت تستطيع أن تستخدم أوراقاً كثيرة في يديها للإتيان بالإيرانيين إلى التوقيع على اتفاق ملزم، إلا أن تكون هذه الأوراق حرباً لا ضرورة لها، ولا جدوى من ورائها، ولا عائد سوف يجيء من خلفها.

ولا بد من أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أشد الناس حزناً، وهو يرى أن صانع القرار الأميركي قد أعطى إحدى أذنيه لقادة الخليج، وربما أعطاهم أُذنيه الاثنتين، بعد أن جرَّب عواقب إعطائهما لإسرائيل وحدها.

لن تيأس الحكومة الإسرائيلية بالتأكيد، وستظل تحاول أن تستأثر بعقل الرئيس الأميركي، لعلها تقنعه بأن العودة للحرب فيها فائدة لبلاده، وفي المقابل فإن تقلبات مواقف ترمب تجعلنا نتحسب من أن يفاجئ المنطقة بعكس ما أعلنه من استجابة لوساطة الخليج.

وفي يد إيران أن تقطع الطريق عليه وعلى الحكومة الإسرائيلية في هذا الاتجاه، ولن يكون ذلك إلا إذا توقفت عن إثارة العداء مع الخليج، واختراع الجديد باستمرار في موضوع مضيق هرمز. فالمضيق ليس مضيقاً إيرانياً، وليس ممراً في أرض إيرانية، ولكنه ممر مائي له شاطئان؛ أحدهما تطل عليه سلطنة عُمان، إحدى الدول الخليجية الست.

هذه حقائق سياسية وجغرافية تغيب عن طهران في زحمة الرغبة في تحقيق انتصار، فالانتصار لا يكون على الدول الجارة؛ لأنه في حقيقته عدوان. وإذا كانت إيران تجد نفسها في حرج من نوع ما أشرت إليه -ولا بد في الحقيقة أن تجد ذلك- فلا أقل من خطوات من جانبها تعيد بها بناء ثقة بناها معها الخليج عن نية صادقة، فإذا بالحكومة الإيرانية تتخذ من هذه النية الصادقة لوحة للتنشين!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد