في لحظات التحول التاريخي، لا تتغير موازين القوة فقط بفعل الحروب أو الثروات، بل بفعل ما ينجح في احتلال مركز الوعي الجمعي، نحن نعيش اليوم في عصر يمكن وصفه بدقة بأنه عصر اقتصاد الانتباه، حيث لم تعد الندرة في الموارد الطبيعية أو حتى في البيانات، بل في قدرة الأفراد والمنظمات على جذب التركيز والحفاظ عليه.
في سياق اقتصاد الانتباه يصبح الانتباه ذاته مورداً نادراً يخضع لقوانين العرض والطلب، ويتحول إلى أداة تأثير تتجاوز حدود الإعلام إلى عمق السياسة والاقتصاد، لقد بات الانتباه أشبه بعملة استراتيجية في الاقتصاد الرقمي، لأنه يحدد من يُسمع، ومن يُتبع، ومن يُمنح الثقة في لحظة اتخاذ القرار، ويمنح الفاعلين القادرين على إدارته موقعاً متقدماً في معادلة النفوذ المعاصر.
اقتصاد الانتباه لا يتعلق بعدد المشاهدات أو التفاعلات بقدر ما يتعلق بإعادة تشكيل النفوذ. في بيئة رقمية متخمة بالمعلومات، تتنافس الدول والشركات والقادة على ثوان معدودة من التركيز، لكنها ثوان قادرة على توجيه الأسواق وتحريك الرأي العام وصياغة السمعة، الخطر الاستراتيجي لا يكمن في غياب الرسالة، بل في ضياعها داخل ضجيج متواصل. ومن هنا، فإن إدارة الانتباه لم تعد وظيفة إعلامية ثانوية، بل تحولت إلى ركيزة من ركائز الأمن الاقتصادي والسمعة المؤسسية والقوة الناعمة.
بالنسبة للقيادات التنفيذية وصناع القرار، يفرض اقتصاد الانتباه معادلة جديدة، لم يعد كافياً امتلاك منتج قوي؛ بل أصبح لزاماً هندسة السردية التي تحيط بهما، فالسوق يستجيب لمن يفهمه، والمستثمر يثق فيما يستطيع تفسيره، والجمهور يتفاعل مع ما يلامس أولوياته. إدارة الانتباه تعني ضبط الإيقاع الاتصالي للمنظمة، وتوحيد الرسائل، وتحديد الأولويات، بحيث لا تتآكل الصورة الذهنية تحت ضغط التصريحات المتناثرة أو تباين الرسائل وتعدد مراكز الخطاب.
عملياً، يقتضي التعامل مع اقتصاد الانتباه ثلاث تحولات داخل أي منظمة، أولاً اعتبار الانتباه أصلاً استراتيجياً يُدار كما تُدار الأصول المالية، عبر مؤشرات أداء واضحة لقياس السمعة والثقة والحضور الرقمي، ثانياً الاستثمار في هندسة الرسائل وصناعة السرديات بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل، لأن من لا يبادر بصياغة قصته سيجد نفسه جزءاً من قصة يكتبها آخرون. ثالثاً بناء منظومة استجابة سريعة تحمي السمعة في بيئة سريعة الاشتعال، حيث يمكن لأزمة صغيرة أن تتضخم خلال ساعات إذا لم تُحتوَ باحتراف.
ختاماً يكشف اقتصاد الانتباه أن القيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بحجم الميزانيات أو الأصول، بل بقدرتها على توجيه التركيز العام نحو ما يخدم رؤيتها. من ينجح في إدارة الانتباه يملك فرصة تشكيل المستقبل، ومن يفشل يتركه للصدفة ولضجيج الآخرين. وفي عالم تتناقص فيه القدرة على التركيز وتتزايد فيه المنافسة على العقول، تصبح الحكمة الاستراتيجية هي القدرة على اختيار ما يستحق أن يُرى، ثم الإصرار على أن يُفهم.

