: آخر تحديث

الترجمة تُحلّق بأجنحتها

4
5
4

 

الإيمانُ بالفكرة، ووضوحُ الرؤية، والعملُ الجادّ المُنظَّم؛ كُلُّ ذلك يحوِّل الأحلامَ إلى واقع، والطموحاتَ إلى منجزاتٍ ملموسة، ويجعلُ من الأفكارِ إبداعًا نابضًا بالحياة، بعد أن كانت آمالًا وتطلّعات. هكذا هي جمعية الترجمة بالمملكة العربية السعودية؛ إذ بدأت فكرةً ورؤيةً وطموحات، ثم غدت -بفضل الله- كيانًا ثقافيًا ومهنيًا فاعلًا، له حضوره ومبادراته وشراكاته، مؤمن بأنّ الترجمة عملٌ ثقافيّ ومعرفيّ، يُسهم في التقارب بين الأمم. فالترجمةُ من أهم وسائل نقل الحضارات والتلاقح بين الثقافات، وهي -كما أميل إلى تعريفها- الوسيلة التي نتعرّف من خلالها على الحراك العالميّ؛ ثقافيًا وعلميًا وأدبيًا واقتصاديًا؛ إذ تُسهم في تبادل المعارف والخبرات، وتقريب الشعوب رغم اختلاف الألسن.

ومن هذا المنطلق، أخذت جمعية الترجمة على عاتقها توسيع شراكاتها الثقافيّة والعلميّة، والانفتاح على الجامعات والمؤسسات الأكاديمية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها؛ إيمانًا منها بأنّ الترجمة تزدهر بالحوار والتبادل المعرفيّ، والاحتكاك الثقافيّ، والانفتاح على اللغات والحضارات المختلفة. ومن هُنا؛ بدأت الجمعية رحلتها بالتواصل مع جامعة ليدز البريطانية؛ ممثلةً بقسم اللغات والثقافات والمجتمع، واستغرقت هذه الرحلة قرابة الاثني عشر شهرًا من العمل والتنسيق والحوار، وتحديد الأهداف والرؤى؛ ليكون العمل مُمنهجًا، قائمًا على أُسسٍ علمية واضحة، تُفضي إلى نتائج ذات أثرٍ مستدام. وقد تُوِّجت هذه الجهود يوم الأربعاء، السادس من مايو للعام 2026م؛ حيث حضر وفدٌ من جمعية الترجمة ممثلة برئيسها التنفيذيّ، الأستاذ عبد الرحمن بن علي السيّد؛ الذي يقود الجمعية لرؤيةٍ ثقافيةٍ ومهنيّة، ويرافقه فريقُ عملٍ آمن بالفكرة، وعمل على بناء الشراكة ومتابعة مساراتها، وتنسيق خطواتها، كمديرة الشراكات بالجمعية الأستاذة إسراء عادل؛ بما يعكس ما تحظى به المرأة السعودية من تمكينٍ للمشاركة في العمل الثقافيّ والمعرفيّ.

وفي ختام محفلٍ علميّ ثقافيّ عُقِد في رحاب جامعة ليدز؛ وقع مذكرة التفاهم كلٌ من الرئيس التنفيذيّ لجمعية الترجمة، ووكيل جامعة ليدز البروفيسور (هاي سوي يو-Professor Hai-Sui Yu)، وبحضور رئيسة قسم اللغات والثقافات والمجتمع البروفيسورة (إيما كايلي- Professor Emma Cayley)، وعددٍ من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، وثلة من الطلبة السعوديين الدارسين بها. وهدفت المذكرة إلى تطوير التعليم، وتمكين المترجمين والطلبة، وتعزيز البحث العلميّ والتعاون الدوليّ، وبناء مشاريع مُشتركة مُستدامة، تخدم الترجمة، وتفتح آفاقًا أوسع للتبادل المعرفيّ والثقافيّ. وقد تشرفتُ في هذه المناسبة بإلقاءِ كلمة الطلبة السعوديين الدارسين في الجامعة، وكان ذلك موضعَ فخرٍ لي؛ إذ أقف بين مؤسستين أعتزُّ بالانتماء إليهما؛ جامعةٍ علميةٍ عريقة تحتضنُ المعرفة والثقافات، وجمعيةٍ وطنيةٍ تحملُ همَّ الترجمة ورسالتها، وتسعى إلى تطويرها علميًا ومهنيًا وثقافيًا.

ولعلّ من أجمل ما في هذه الاتفاقيات أنّها تصنع الأثر، وتخلق بيئاتٍ علمية وثقافية يتبادل فيها الطلاب والباحثون والمترجمون الخبرات والتجارب والمعارف؛ إذ إنّ الترجمة لا تزدهر إلا بالاحتكاك الثقافيّ والعلميّ والفكريّ والأدبيّ. ومن المؤكّد أنّ الجامعات العالمية العريقة -كجامعة ليدز- تمتلك إرثًا علميًا وثقافيًا في الدراسات اللغوية والترجمية، يُسهم في تطوير أدوات المترجم السعوديّ، ويمنحه مزيدًا من الخبرة والاطلاع. وهذا ما أكدت عليه سعادة الملحق الثقافي السعودي بالمملكة المتحدة الدكتورة مشاعل السلامة؛ حيث ذكرت في كلمتها "إن مثلُ هذه الشراكات تُثمرُ تكاملًا معرفيًا لا يتحقّق بالعمل المُنفرد؛ إذ تُتيح للباحثين السعوديين الاطلاع على التجارب الأكاديميّة العالمية، والاستفادة من البيئات البحثيّة المتقدمة، وفي المقابل تتعرّف الجامعات البريطانية على ما تشهده المملكة العربية السعودية من حراكٍ علميّ وأكاديميّ، وعلى كفاءاتٍ بحثية سعودية تحملُ فكرًا واعيًا مُبدعًا".

تأتي هذه الجهود انسجامًا مع رؤيتنا الوطنية 2030؛ التي أكّدت على تعزيز الحضور الثقافيّ للمملكة العربية السعودية عالميًا، والتعريف بما تمتلكه من إرثٍ ثقافيّ وحضاريّ وعلميّ. فالترجمة اليوم أصبحت صناعةً للمعرفة، وأداةً من أدوات القوة الناعمة. ومن هُنا؛ فإنّ الرحلات الثقافيّة والعلميّة التي تقوم بها المؤسسات المعنيّة تحملُ رسالة، وتبني فكرًا، وتصنع أثرًا، وتُمهّد الطريق لأجيالٍ من المترجمين والباحثين؛ ليكونوا أكثر انفتاحًا وإدراكًا لما يشهده العالم من حراكٍ ثقافيّ ومعرفيّ مُتسارع. ويأتي ذلك أيضًا انسجامًا مع ما جعلته جمعية الترجمة للعام 2026م (عامًا للابتكار)؛ إيمانًا منها بأنّ الترجمة ميدانٌ رحبٌ للمبادرات، والشراكات، والتجديد المعرفيّ والثقافيّ، وما هذه الاتفاقية إلا ثمرةٌ من ثمار ذلك التوجّه؛ حيثُ عملت الجمعية وفق رؤيةٍ واضحة، ومنهجٍ قائمٍ على الإبداع؛ لتُحلّق الترجمة بأجنحتها في آفاق المعرفة والثقافة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد