لعلَّ العنوانَ الأنسبَ للأديب والإعلامي العماني سليمان المعمري هو ضابط أمن السرقات الأدبية. إن في رصيد زميلنا العشرات من وقائع الانتحال التي وضع يده عليها وكشفها للعلن خلال السنوات العشرين الأخيرة. فلان نسب لنفسه بحثاً مسجَّلاً باسم غيره. فلانة انتحلت مقالاً لناقد معروف. صحافي سطا على تقرير سبق نشره. وهكذا دواليك. يشتغل المعمري مثل المحققين. يتتبع الشبهات. يقارن. يجمع الأدلة. يضع اليد على لصوص المعرفة بالجرم المشهود. يقدمهم لمحكمة مؤلفة من جمهور القراء.
تراه يحضر المناسبات الأدبية مسلحاً بابتسامة صغيرة ونظرة مخاتلة. مهذَّب هادئ خفيض النبرة. يرتدي الثوب التقليدي الأبيض ويعتمر الكُمَّة، غطاء الرأس الرجالي في عُمان. قارئ شغوف يجيد التحضير لبرامجه الحوارية مع الأدباء في الإذاعة والتلفزيون. يندر أن يفلت منه مبدع يزور السلطنة. ومن خلال دأبه وسعة مطالعاته تمكن من فضح سرقات خُيّل لأصحابها وصاحباتها أنها ستمر مرور الكرام. وهو قبل كل شيء كاتب للقصص القصيرة والروايات.
كانت البداية عندما وقع على ورقة قدمتها باحثة في ندوة أدبية. عاد إلى ما لديه واكتشف أنها منقولة حرفياً من مقال لناقد مغربي معروف. والمشكلة أن الباحثة صديقة عزيزة عليه. لذلك تردد واستشار أصدقاء آخرين فسأله أحدهم إن كان سيتردد لو كان المنتحل شخصاً آخر؟ أجاب بالنفي. وجاء حُكم الصديق واضحاً: «إذن أنت غير صادق في ادعاء إحقاق الحق».
حُكم جعله ينظر في المرآة فيرى نفسه منافقاً. اختار أن يكشف السرقة حتى ولو خسر معرفة طيبة. بعد ذلك صار الكشف أسهل لأنَّه لا صداقة تربطه بمعظم المنتحلين. يحرص على ألا يحابي أحداً مهما كان قريباً منه. الهدف: تعزيز أمن الممتلكات الفكرية.
كان يعتمد على «غوغل» للمطابقة بين النصوص المشكوك فيها. وهو يعرف أن هناك برامج لكشف الانتحال لكنها لا توجد إلا في المؤسسات الجامعية الكبرى. اعتمد على نفسه ثم على ما بدأ يصله من متابعين ومن أصدقاء في بلده ودول عربية أخرى. يتأكد من الانتحال ويطلب الأدلة الكاملة. كانت الإخباريات تأتيه عبر «الماسنجر» ثم صارت تأتيه عبر «واتساب».
ولأن الروائيين، والأدباء عموماً، معجونون من طينة ترتفع فيها نسبة النرجسية، فقد واجه المعمري خصومات متوقعة. رُفعت ضده خمس قضايا في عُمان. رفض الادعاء العام ثلاثاً منها لعدم وجود جُرم، وأحيلت اثنتان إلى محكمة مسقط. خرج بريئاً من تهمتي التشهير والازدراء.
سألته ذات يوم كيف تمكن من تطوير هواية المخبر الثقافي؟ اتسعت ابتسامته وأجاب أنها ليست موهبة لكي يجتهد لتطويرها بل مسألة ضمير. وسألني: «حين ترين شخصاً يسرق في دكان... ألا تذهبين وتخبرين صاحب الدكان؟». وددت أن أقول له إن أصحاب الدكاكين كثر في أيامنا. لكنني سكت.

