: آخر تحديث

مـاذا لـو وجـدتَ نفسك تعيش قبل مئة عام؟

2
3
2

سارا القرني

ماذا لو استيقظتَ ذات صباح لتجد نفسك تعيش حياة قبل مئة عام؟

لا كهرباء تُنير الغرف بضغطة زر، ولا مكيفات تخفف حرارة الصيف، ولا إنترنت يختصر المسافات بين البشر. لا طائرات تنقلك بين القارات خلال ساعات، ولا هاتف في جيبك يحمل العالم كله. فجأة تصبح الحياة أبطأ، وأبسط، وأكثر قرباً من تفاصيلها الأولى.

قد تبدو الفكرة غريبة في البداية، وربما صادمة أيضاً. فنحن أبناء زمن اعتدنا فيه السرعة والرفاهية والاعتماد على التكنولوجيا في أدق تفاصيل يومنا. يكفي أن ينقطع التيار الكهربائي دقائق حتى نشعرأن العالم توقف. فكيف سيكون الحال لو اختفت كل هذه الأشياء دفعة واحدة؟

قد تكون ردة الفعل الأولى شيئاً من الارتباك أو الدهشة. سنبحث بعفوية عن أشياء اعتدناها فلا نجدها؛ لن نجد المصابيح المضيئة، ولا شاشات الهواتف، ولا أصوات الإشعارات التي ترافقنا طوال اليوم.

سنكتشف أن الليل كان أكثر ظلمة، وأن النهار كان يبدأ مع شروق الشمس وينتهي مع هدوئها. لكن بعد تلك الدهشة الأولى، ربما يبدأ شعور آخر بالتسلل إلى داخلنا؛ شعور بالهدوء. فالحياة قبل مئة عام لم تكن مليئة بالضجيج الرقمي الذي يحيط بنا اليوم. كانت أبسط، وأكثر التصاقاً بالطبيعة وبالناس. تخيل أيضاً أنك في تلك اللحظة قد تلتقي بجدك أو جدتك… لكنهما في سن المراهقة. تراهم قبل أن يصبحوا كباراً، قبل أن تتشكل ملامح الزمن على وجوههم. ترى أحلامهم الأولى، وملامح طفولتهم، وربما تسمع قصصهم وهم يعيشونها لا وهم يروونها بعد سنوات طويلة.

أما أنا، وعن نفسي، فأظن أنني سأشعر براحة غريبة في تلك اللحظة. فأنا أعشق جدتي كثيراً، ودائماً ما كنت أتمنى لو أستطيع أن أعرف كيف عاشت حياتها في تلك الأيام. كيف كانت تفاصيل يومها؟ كيف كانت البيوت؟ وكيف كانت العلاقات بين الناس؟

مجرد تخيل أنني أراها في شبابها، تسير في طرقات ذلك الزمن القديم، يجعل الفكرة أقرب إلى الحلم الجميل من كونها مغامرة مخيفة. ربما سأجلس معها لساعات طويلة أستمع لحكاياتها، وأراقب تفاصيل الحياة التي كانت تراها عادية، بينما نراها نحن اليوم جزءاً من التاريخ.

صحيح أنني قد أفتقد أشياء كثيرة من مظاهر التطور التي نعيشها اليوم. سأفتقد الكهرباء، وسأفتقد سهولة التنقل، وربما أشتاق إلى الإنترنت الذي يربط العالم ببعضه. لكن في المقابل سأكسب شيئاً آخر لا يقل قيمة: فرصة أن أرى الحياة في صورتها الأولى، البسيطة والصادقة.

لطالما شعرت بأن في المباني القديمة روحاً مختلفة. تفاصيل الجدران، والأبواب الخشبية، والنوافذ الصغيرة التي كانت تطل على الأزقة الضيقة… كل ذلك يحمل حكايات لا نعرفها، لكنه يهمس لنا بأن الزمن لم يكن دائماً سريعاً كما هو اليوم.

أنا بطبعي أعشق الماضي، وأحب تفاصيل الحياة البسيطة. أحب أن أتخيل كيف كان الناس يعيشون قبل أن تصبح الحياة محاطة بكل هذا التعقيد. كيف كانوا يجدون السعادة في أشياء صغيرة: جلسة عائلية، أو فنجان قهوة، أو حديث طويل في ليلة هادئة. ربما لهذا السبب لا تبدو فكرة العودة مئة عام إلى الوراء مخيفة بالنسبة لي، بل تبدو أقرب إلى رحلة في ذاكرة الزمن. رحلة تجعلنا ندرك أن الإنسان، رغم كل ما وصل إليه من تطور، ما زال يبحث عن الأشياء ذاتها: الطمأنينة، والدفء، وقرب الناس الذين يحبهم.

ولو حدث ذلك حقاً، وعشت يوماً في ذلك الزمن القديم، فأظن أنني عندما أعود إلى الحاضر سأنظر إلى الحياة بطريقة مختلفة. سأقدّر ما نملكه من تطور، لكنني في الوقت نفسه لن أنسى أن أجمل ما في الحياة ليس سرعتها… بل بساطتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد