: آخر تحديث

في تجاوز سوريا فخ التدخل بلبنان

2
2
1

جدد الرئيس السوري أحمد الشرع رفض التدخل في لبنان في معرض رده على دعوات ومطالبات متعددة بتدخل مسلح في مواجهة «حزب الله» اللبناني. وقال الشرع إن ما يقال ويشاع حول التدخل عارٍ عن الصحة. وأضاف أن سوريا تسعى إلى دور إيجابي في الملف اللبناني. ولخّص الدور السوري بأنه سعي إلى وقف الحرب وتهدئة الأوضاع، وتقوية مؤسسات الدولة اللبنانية.

وحسمت خلاصات حديث الشرع الموقف من إعلانات وتكهنات كثيرة ظهرت خلال الفترة الماضية، بينها إشارات مكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكدت أن الشرع سوف يدفع قوات سورية في مواجهة «حزب الله»، من أجل إحداث تبدلات في واقع القوى اللبنانية وعلاقاتها.

وبالاستناد إلى مطالبات ترمب، ومن باب تعزيز الشائعات لشيطنة الموقف السوري، واللعب على حوافه، صدرت تحليلات بين أهم خلاصاتها أن سوريا سوف تتدخل ضد «حزب الله»، وبعضها ذهب إلى رسم نهايات محتملة للتدخل وأثره السلبي على سوريا ولبنان في المستويين الداخلي والخارجي.

ويرتبط حسم الموقف من التدخل في لبنان بتحول عميق في سياسات سوريا الإقليمية والدولية، كان بين الثمار الأولى لسقوط نظام الأسد وقيام النظام الجديد مكانه أواخر عام 2024، وجرى في سياقه اعتماد سياسة مختلفة في العلاقات الإقليمية والدولية، تقوم على السلم والتعاون وتوليد تفاهمات مشتركة وجديدة في رؤية العلاقات، وحل المشاكل القائمة والتي يمكن أن تنشأ. يكمله شق آخر جوهره الامتناع عن سياسة التدخلات الإقليمية، وخاصة المسلحة، والتي جلبت على سوريا والسوريين مشاكل ليس لها أول ولا آخر. واقترن ما تقدم من توجهات في السياسة السورية بالتركيز على معالجة الوضع الداخلي الذي أوصله نظام الأسد إلى حالة من الدمار الكامل، وخاصة في سنوات الصراع السوري 2011 - 2024، وبات يحتاج علاجه إلى كل طاقات واهتمام السوريين وحكومتهم، وإلى دعم ومساندة إقليمية ودولية واسعة في كل المجالات، كما يحتاج تجنب الانخراط والانجرار إلى صراعات من شأنها ترك بصماتها السلبية على معالجة التحديات الداخلية الأساسية، وتأخير عمليات إنهاض وإعمار سوريا.

وسط هذا الإطار من معالم السياسة السورية الجديدة تقدم السلطة الجديدة في سوريا صورة جديدة لما طرأ من تغييرات في العلاقات السورية - الروسية، رغم الدور الروسي في حماية نظام الأسد، وما ارتكبته روسيا من جرائم ضد الشعب السوري. ومثلها تبدو صورة التحسن النسبي في علاقات دمشق مع حكومتَي العراق ولبنان اللتين سمحتا لميليشيات البلدين، وبينها «الحشد الشعبي» العراقي و«حزب الله» اللبناني بالمرور إلى سوريا، ومشاركة نظام الأسد في حربه الإجرامية على السوريين.

الصورة العامة لتغييرات أسس السياسة السورية تؤكد أن حسم الموقف من التدخل في لبنان كان أمراً طبيعياً، بل إن ولادة نمط جديد في العلاقات السورية - اللبنانية يقوم على تصفير المشاكل، وخلق فرص جديدة لتعاون يحتاجه البلدان، أمر طبيعي أيضاً. وفي الغالب الأعم، فإن وقف الحرب على لبنان يمكن أن يكون مناسبة لإقلاع مشروعات تعاون سوري - لبناني واسع ومتعدد الأوجه، يشمل معالجة المشاكل العالقة، ومنها مشكلة اللاجئين السوريين في لبنان، ويتجاوزها إلى الوصول إلى اتفاقات وتفاهمات في موضوعات المياه، وخطوط نقل النفط، والنقل البري للبضائع والركاب...

غير أن طريق التطور الإيجابي المأمول في العلاقات السورية - اللبنانية لن يكون سهلاً، بسبب الإرث الثقيل لما مرت به علاقات البلدين في ظل نظام الأسد الثقيل والطويل، وتدخله العسكري العميق في لبنان على مدار أكثر من ثلاثة عقود، وما تركه من آثار كارثية على البلدين والشعبين باتت بحاجة إلى جهد وزمن للتخلص منها. وقد تشكل ضرورات النهوض السوري - اللبناني دافعاً لتجاوز سريع لتلك الآثار وسط تغييرات بنيوية في سلطة البلدين وفي توجهاتهما السياسية من جهة، وما تم بذله في الفترة الأخيرة لمعالجة ملفات مشتركة بين حكومتَي البلدين من جهة ثانية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد