ليلى أمين السيف
في مملكة السويد، بلاد الفايكنغ والجمال والعدالة تلك البلاد التي طالما أبهرت العالم بتقدمها وحرياتها التي لا تعرف حدودا تتجلى لنا مؤخرا مفارقة تستدعي التوقف والتأمل بل والضحك المرير أحيانا. فبينما يرفع الغرب راية الحرية الشخصية عاليا ويُبشّر بها كقيمة لا تُمس تبدو هذه الراية عند الاقتراب منها أكثر وكأنها ليست مطلقة كما يُروَّج لها بل محاطة بهامش غير مُعلن من الشروط يظهر بوضوح حين تصطدم بعض الاختيارات الاجتماعية أو الرمزية بالحساسية الثقافية السائدة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل هذا القانون الجديد هو حماية لخصوصية الأفراد أم هندسة اجتماعية؟
مؤخراً أقر البرلمان السويدي قانونا جديدا يحظر زواج أبناء العمومة والأقارب المقربين بل ويذهب إلى أبعد من ذلك بعدم الاعتراف بهذه الزيجات حتى لو عُقدت خارج السويد، وبررت الحكومة هذا المنع بأنه يأتي في إطار مكافحة الزواج القسري وحماية الأفراد من الضغوط الأسرية وقضايا الشرف.
يا لها من عبارات أنيقة ومريحة للسمع: حماية، وقاية ومكافحة الإكراه. ترى من يجرؤ على الاعتراض؟
لكن السؤال ليس في الكلمات بل في مساحة التطبيق وحدود هذا التدخل الوقائي
إذا ألقينا نظرة على المشهد السويدي المعاصر سنجد التالي:
زواج المثليين مسموح به ومحمي قانونياً.
العلاقات المفتوحة وتعدد الشركاء تُصنف ضمن الحرية الشخصية.
الخيانة الزوجية لا يجرمها القانون.
كثير من العلاقات الرضائية بين البالغين أيا كانت صلة القرابة تبقى خارج نطاق التدخل القانوني ما دامت لا تتضمن جريمة أو إكراها أو عقد زواج شرعي!! كل ذلك يدخل تحت المظلة الكبرى ألا وهي الحرية الفردية ذلك الشعار الذي أرهقونا بترديده حتى حفظناه عن ظهر قلب، بينما الواقع في كثير من الأحيان يسير في اتجاه آخر تماما، وكأننا أمام شعارات أنيقة للاستهلاك الإعلامي أكثر من كونها مبدأً ثابتا يُطبَّق على الجميع. والمثير للاهتمام أن هذه الحرية لا تبدو بنفس الاتساع عندما يتعلق الأمر بتوثيق العلاقة في إطار الزواج.
ولعل أكثر ما يثير الحيرة أن الدولة التي ترى نفسها غير معنية بما يجري بين البالغين خارج إطار الزواج وتعتبر ذلك شأناً شخصياً يدخل ضمن نطاق الحرية الفردية تتحول فجأة إلى وصيّ صارم عندما يتعلق الأمر بعقد زواج رسمي وموثق. فالعلاقات العابرة لا تستدعي قلق المشرِّع والعلاقات المفتوحة لا تهز أركان المجتمع. والخيانة الزوجية لا تستوجب تدخلاً قانونياً. أما عندما يقرر رجل وامرأة راشدان توثيق علاقتهما بعقد زواج معترف به تبدأ التحذيرات وتُرفع الرايات الحمراء وتتحرك آلة التشريع بكل قوتها، وكأن المشكلة ليست في الإكراه بل في شكل العلاقة نفسها وكأن العقد الرسمي أصبح أكثر حساسية من العلاقة غير الرسمية وهنا يحتار المرء أمام هذا المنطق العجيب!
كيف تتحول العلاقة إلى حرية عندما تكون خارج إطار الزواج ثم تتحول إلى خطر اجتماعي يستوجب المنع والتجريم عندما تصبح زواجا معلنا وموثقا؟
إنها مفارقة يصعب تجاهلها وتستحق على الأقل أن تُطرح حولها الأسئلة حتى لو لم تعجب الإجابات أصحاب القرار.
قد يقال: إن الدافع هو الحماية الاجتماعية وتقليل الضغط الأسري ومنع الإكراه داخل بعض البيئات وربما يحمل هذا التبرير جزءا من المنطق لو كان موجها فعلا إلى حالات الزواج القسري حيث يُجبر الطرفان أو أحدهما على قرار لا يملكه.
أما حين يُستدعى ذات التبرير لمنع زواج يتم برضا كامل بين بالغين فهنا يبدو أن الحماية لم تعد حماية من الإكراه بل تعنتا ضد حرية الاختيار المزعومة.
لذا من حق المتابع أن يتساءل أيضا لماذا تتركز مثل هذه التشريعات غالبا حول أنماط زواج موجودة بكثرة داخل بعض الجاليات بينما تُترك أنماط أخرى من العلاقات حتى تلك التي تُعد في نظر كثير من المجتمعات تجاوزا صارخا للحدود الأخلاقية مثل العلاقات غير المشروعة بين البالغين بالتراضي أو زنا المحارم ضمن نطاق الحرية الفردية التي لا يتدخل فيها القانون.
فهل المسألة حماية فرد فقط أم إعادة ضبط لنموذج اجتماعي كامل بطريقة ناعمة وغير مباشرة؟
أسئلة تبقى مفتوحة حتى في مجتمع يفاخر بأن السؤال فيه لا يُعاقب عليه.
المفارقة ليست في قانون واحد بل في طريقة قياس الحرية نفسها، فحين تتسع الحرية لتشمل أنماطا متعددة من العلاقات خارج الزواج ثم تضيق فجأة عند باب الزواج نفسه يصبح من الطبيعي أن يتساءل المرء: أين ينتهي مبدأ الحرية وأين تبدأ الاستثناءات؟
هل نحن أمام حماية حقيقية للفرد؟ أم أمام إعادة تشكيل هادئة للمجتمع وفق تصور محدد لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الإنسانية؟
قد تختلف الإجابات لكن المؤكد أن الحرية التي تُمنح بسخاء في اتجاه وتُقيد في اتجاه آخر تظل حرية تستحق النقاش قبل القبول.
** **
- كاتبة يمنية مقيمة في السويد

