: آخر تحديث

أعداء الوسادة الذين يموتون واقفين

1
1
1

أعترف أنني لم أفهم يومًا أولئك الذين يتحدثون عن الراحة كما لو كانت غاية الحياة!

لهذا كلما تقدمت في العمر، اكتشفت أن بعض الرجال لا يحملون الأحلام، بل الأحلام هي التي تحملهم، يسيرون وهم مثقلون بها كما يُثقل الجبل ظهر الأرض، فلا يعرفون معنى الإجازة الحقيقية، ولا طعم النوم الكامل، ولا ذلك السكون الذي يتحدث عنه الناس وكأنه نعمة متاحة للجميع!

الرجل الذي يحمل مشروعًا أكبر من عمره، أو فكرة أكبر من واقعه، أو قضية أكبر من مصلحته الشخصية، لا يعيش مثل الآخرين، جسده قد يجلس على كرسي، لكن عقله يركض في ألف اتجاه. يبتسم في مجلس، بينما يخوض داخله معركة كاملة. يصافح الناس، لكنه في الحقيقة يصافح احتمالات المستقبل!

لهذا يبدو دائمًا مشغولًا، حتى عندما لا يفعل شيئًا، والمشكلة أن العامة يفسرون هذا القلق على أنه طمع، أو جنون عظمة، أو عدم رضا. والحقيقة مختلفة تمامًا. بعض الرجال لا يخافون الفشل بقدر ما يخافون أن يموتوا قبل أن يكتشفوا إلى أي مدى كانوا قادرين على الوصول. إنهم لا يهربون نحو المجد، بل يهربون من الحسرة.

وأعتقد أن أخطر أنواع الحزن ليس أن تخسر معركة، بل أن تكتشف في نهاية العمر أنك لم تخضها أصلًا، لهذا كانت الحضارات العظيمة تُبنى دائمًا على أكتاف رجال غير مرتاحين. رجال أزعجتهم الفكرة حتى حولوها إلى واقع. لو كان المكتشفون راضين بما لديهم لما اكتُشفت القارات. ولو كان المخترعون مولعين بالهدوء لما خرجت الاختراعات من الورش المظلمة إلى العالم.

والأمر نفسه ينطبق على السياسة، فالدول أيضًا تشبه الرجال، هناك دول نامت على أمجادها القديمة حتى استيقظت لتجد نفسها متحفًا مفتوحًا للسياح. وهناك دول أخرى عاشت في قلق دائم، تراجع نفسها كل صباح، وتخاف من التخلف أكثر مما تخاف من التعب، فصنعت مكانها في المستقبل.

السياسي الحقيقي ليس من يوزع الخطب المريحة على الجماهير، بل من يوقظ شعبه من الوهم. أما السياسي التاجر فيبيع الراحة المؤقتة مقابل الخراب المؤجل.

ولهذا فإن كثيرًا من الأمم لا تسقط بسبب الحروب، بل بسبب الراحة. الراحة الفكرية. راحة الاعتقاد بأن العالم سيتوقف احترامًا لتاريخها. راحة ترديد الشعارات القديمة بينما الآخرون يبنون المستقبل.

إنني كلما نظرت إلى خرائط العالم أدركت أن التاريخ لم يكن يومًا عادلًا مع الكسالى. الدول التي بقيت واقفة هي تلك التي تعاملت مع النجاح باعتباره بداية الطريق لا نهايته. أما التي صدقت أنها وصلت، فقد بدأت رحلة السقوط وهي تظن أنها في قمة الصعود.

ولعل أكثر ما يثير دهشتي أن الإنسان قد يتحمل الجوع والبرد والخوف، لكنه نادرًا ما يتحمل فكرة أنه يعيش أقل من إمكاناته الحقيقية. هذه الفكرة وحدها كافية لتمنع النوم عن عينيه سنوات طويلة.

نعم، الثمن باهظ، ليالٍ من الشك، ساعات من الوحدة، حروب داخلية لا يراها أحد، وأحيانًا خسارة أشخاص أحببتهم لأنهم لم يفهموا لماذا تركض بينما الجميع يجلس.

لكن التاريخ كله كُتب بهذه الطريقة، لم يكتبه المستريحون، ولم تصنعه الأرواح المطمئنة إلى واقعها، كتبه أولئك الذين رأوا شيئًا لم يره الآخرون، ثم دفعوا أعمارهم كاملة لإثبات أنه موجود.

لهذا لا أتعاطف كثيرًا مع أولئك الذين يسخرون من أصحاب الأحلام الكبيرة. فالسخرية دائمًا أرخص من المحاولة. والجلوس أسهل من الصعود. والنقد أسهل من البناء.

أما الرجال الذين اختاروا حمل أحلامهم على ظهورهم، فهم يعرفون أن الطريق قد لا ينتهي بالنصر. وقد لا تنتهي القصة كما أرادوا. لكنهم يعرفون أيضًا حقيقة مرعبة: أن الموت أثناء المحاولة أشرف من حياة كاملة قضيتها في التفرج.

وفي السياسة كما في الحياة، لا تُقسم البشرية إلى ناجحين وفاشلين، بل إلى فئتين فقط: فئة قررت أن تكون جزءًا من صناعة المستقبل، وفئة أخرى اكتفت بشرح الماضي.

أما أنا، فما زلت أؤمن أن أخطر مرض يمكن أن يصيب الإنسان ليس الطموح، بل القناعة المبكرة. فحين يقتنع المرء أنه وصل، يتوقف عن الحركة. وحين تتوقف الحركة يبدأ التآكل. وحين يبدأ التآكل، لا يبقى من الإنسان أو الدولة سوى ذكرى جميلة يرويها الآخرون.

وهذا بالضبط ما أخشاه أكثر من الفشل نفسه، أن أستيقظ ذات يوم فأكتشف أنني كنت قادرًا على الوصول أبعد بكثير، لكنني اخترت الراحة!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.