في شقة المرسم، المكان الذي احتفظ لسنوات طويلة بحكايات لا تنتهي وجلسات لا تغيب عنها الضحكة، بقيت سيرة سليمان الجاسر -رحمه الله- حاضرة بين أصدقائه، صاحب الشقة ورفيق تلك الليالي عاد عام «1985» من ألمانيا بعد حضوره معرض الرياض «بين الأمس واليوم»، ليجد استقبالًا خاصًا من مجموعة الشقة الذين أقاموا وليمة احتفاءً بعودته.
جلس والجميع حوله، تتوسط المكان صحون الكبسة باللحم، وبعد انتهاء العشاء بدأت اللحظة المنتظرة؛ إذ اتجهت الأنظار نحو سليمان بسؤال واحد: ماذا حدث في ألمانيا؟
كان يعرف أن أي قصة سيرويها ستتحول إلى جلسة ضحك، فبدأ مقدمًا حكايته بعبارة: «سأحكي لكم، لكن لا أحد يضحك»، وهي الجملة التي كانت كافية ليبدأ الضحك قبل أن تبدأ القصة.
حكى سليمان أنه كان يقيم في فندق هادئ، وأن أيامه الأولى مرت بشكل طبيعي، حتى قرر في إحدى الأمسيات الخروج للتنزه. وما إن قال ذلك حتى تبادل أصدقاؤه النظرات والابتسامات؛ فهم يعرفون أن هذه البداية غالبًا تخفي موقفًا غير متوقع.
واصل حديثه قائلًا إنه دخل مقهى قريبًا من الفندق، بحثًا عن مكان يستريح فيه ويشرب الشاي، لكنه فوجئ برجال ضخمين يملؤون المكان، حتى بدا بعضهم وكأنه خرج من حلبات المصارعة. جلس في مكانه، لكنه لاحظ أن الأنظار اتجهت نحوه، وشعر أنهم يتحدثون عنه دون أن يفهم ما يقولون.
حاول تجاهل الأمر، إلا أن أحد الرجال اقترب منه بثقة، وقبل أن يستوعب الموقف أخذ القبعة من فوق رأسه، عندها قرر سليمان أن يظهر بعض الثبات، فأخبره باللغة الإنجليزية بأنه لاعب جودو ويحمل الحزام الأسود.
كانت تلك اللحظة كافية لانفجار الضحك في شقة المرسم عند تذكرها، خصوصًا أن سليمان نفسه أدرك بعدها أن ثقته ربما أخذته إلى موقف أصعب.
فقد جلس الرجل أمامه ودعاه إلى منافسة في شد الذراع، حاول سليمان تفادي الأمر، لكن الرجل أمسك بيده وبدأ يضغط بقوة، ليجد نفسه في موقف لم يكن يتوقعه، وبينما كان يحاول الصمود، لم يكن يفكر إلا في ألا تنتهي المواجهة بإصابة يده.
تدخل صاحب المقهى في النهاية، وانتهى الموقف قبل أن يتحول إلى مشكلة أكبر، وخرج سليمان من المكان سريعًا، ليعود لاحقًا بحكاية جديدة تضاف إلى ذاكرة أصدقائه.
وبعد أن روى الموقف، قال سليمان إنه منذ ذلك اليوم قرر ألا يستخدم الجودو إلا في الأحلام، عندها قال له أحد الحاضرين: «أنت قلت إن لديك حزامًا أسود، لكنك حصلت على حزام النجاة».
لم تكن تلك الحكاية الوحيدة التي بقيت من رحلة سليمان الجاسر إلى ألمانيا، فقد كان يحمل معه دائمًا قصصًا أخرى يرويها في المناسبات، وكانت كلها تعكس روحه المرحة وقدرته على تحويل المواقف العابرة إلى ذكريات لا تُنسى.
رحم الله سليمان الجاسر، الذي جمع حوله الأصدقاء وبقي حاضرًا في حكاياتهم...

