حسن اليمني
في كتاب لمراسل الحروب السيد «أريك دور تشميد» بعنوان (دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ) يستذكر ويروي فيه أحداثا وحروبا وانتصارات حدثت بفعل الصدفة أو الغباء، ولعلنا أمام واحدة من هذه الأمثلة نعيشها اليوم بعد وفاة المؤلف، فالحروب - في نهاية المطاف - أدوات لتحقيق غايات سياسية، وإذا كانت المعارك تحسم في الميدان، فإن الانتصارات والهزائم تقاس عند توقيع الاتفاقات، ومن خلال موازنة أهداف الأطراف عند بداية الحرب بما انتهت إليه مذكرة التفاهم، يمكن الوصول إلى قراءة أكثر موضوعية لمعادلة الربح والخسارة.
شنت الولايات المتحدة الامريكية والكيان المحتل حربا على ايران يوم الثامن والعشرين من فبراير لهذا العام، بهدف إضعاف النظام الإيراني بصورة جذرية، بل إن التصريحات الأميركية ذهبت أبعد من ذلك عندما تحدثت عن تغيير النظام الحاكم في طهران، وقد بدأت العمليات العسكرية بضربات استهدفت قيادات الصفين الأول والثاني، بالتوازي مع دعم قوى معارضة أملاً في إحداث انهيار داخلي يؤدي إلى إسقاط السلطة القائمة، أما إيران فقد دخلت الحرب دفاعا في مقابل هجوم مفاجئ، وفي واقع تواجه فيه حصاراً اقتصادياً وعقوبات دولية خانقة ومطالب مستمرة برفع تلك العقوبات والإفراج عن أموالها المجمدة.
وعند الانتقال من أهداف الحرب إلى نتائج مذكرة التفاهم، تظهر صورة مختلفة تماماً عن صورة الميدان، فأول ما يلفت الانتباه أن النظام الإيراني بقي قائماً رغم الضربات التي تعرض لها، ولم يتحقق الهدف الأميركي المعلن المتمثل في إسقاط النظام أو استبداله، بل إن الاتفاق نفسه وُقّع مع السلطة الحاكمة ذاتها التي كانت الحرب تستهدف تغييرها، وهو ما يعني عملياً اعترافاً ببقائها واستمرارها، كما أن المذكرة تضمنت التزاماً أميركياً باحترام سيادة إيران وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما يمثل تراجعاً واضحاً عن خطاب تغيير النظام الذي سبق الحرب.
وفي الجانب الاقتصادي، تبدو المكاسب الإيرانية أكبر وضوحاً، فقد نصت المذكرة على رفع العقوبات الأميركية والدولية وفق جدول زمني متفق عليه، والسماح فوراً بتصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية، إضافة إلى الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، وهي مطالب كانت طهران تسعى إليها منذ سنوات طويلة دون أن تنجح في تحقيقها عبر المفاوضات التقليدية، بل إن الاتفاق يتجاوز ذلك إلى الحديث عن خطة دولية لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني بتمويل لا يقل عن 300 مليار دولار، وهو بند يجعل إيران تنتقل من موقع الدولة المحاصرة إلى دولة مرشحة للحصول على استثمارات ومساعدات ضخمة لإعادة البناء والتنمية.
أما في الجانب العسكري والأمني، فقد حصلت إيران على تعهد بانسحاب القوات الأميركية من المناطق المحيطة خلال فترة محددة، إضافة إلى إنهاء الحصار البحري وعودة الملاحة التجارية إلى مستويات ما قبل الحرب، وفي المقابل، حصلت الولايات المتحدة والكيان المحتل على هدف أساسي واحد يتمثل في تثبيت تعهد إيراني بعدم إنتاج سلاح نووي، مع تجميد الوضع القائم للبرنامج النووي إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، وهو امر حصل في عهد الرئيس السابق للولايات المتحدة «باراك أوباما» والغاه الرئيس الأمريكي الحالي – ترامب -وهو يعود اليوم بعد حرب وكلفة خسائر في الأرواح والمعدات للتوقيع على مثيله مقابل مكاسب ملفتة لإيران لم تصل اليها في الاتفاق السابق.
وعند إجراء مقارنة مباشرة بين وضع إيران قبل الحرب وبعدها، نجد أنها انتقلت من دولة تخضع لعقوبات واسعة، وأموالها مجمدة، ونفطها مقيد، ومحيطها العسكري ضاغط، إلى دولة تتجه نحو رفع العقوبات واستعادة أموالها وتوسيع صادراتها النفطية والحصول على تمويل اقتصادي ضخم، أما الولايات المتحدة والكيان المحتل فقد بدأتا الحرب بهدف تغيير النظام الإيراني وتقليص نفوذه الاستراتيجي، بينما انتهتا إلى اتفاق يعترف بالنظام نفسه ويمنحه مساراً للخروج من العزلة الاقتصادية والسياسية مقابل التزام نووي وأمني محدد كان موجود اصلاً، ومن هنا يمكن القول إن النتيجة العسكرية للحرب قد تكون موضع جدل، لكن النتيجة السياسية والاقتصادية لمذكرة التفاهم تميل بصورة واضحة لصالح إيران إذا نُفذت جميع بنودها كما وردت، فطهران حافظت على نظامها السياسي، واستعادت جزءاً كبيراً من مطالبها الاقتصادية والاستراتيجية، بينما تخلت واشنطن عملياً عن هدف تغيير النظام مقابل ضمانات تتعلق بالبرنامج النووي ووقف الأعمال العدائية، وإذا كانت الانتصارات تُقاس بحجم التحسن بين ما قبل الحرب وما بعدها، فإن الكفة تبدو – وفق نص المذكرة وحده – أقرب إلى ترجيح المكاسب الإيرانية، حتى وإن دفعت طهران ثمناً عسكرياً وبشرياً كبيراً خلال مسار الحرب.
كان الكيان المحتل يرفض اتفاقية أوباما مع إيران، وبوصول دونالد ترامب للرئاسة مرة أخرى ضغط بقوة لإلغاء الاتفاق رغبة في مزيد من إضعاف إيران وتحجيم قوتها تمهيدا للتمدد في المنطقة والسيطرة عليها تحت عناوين مختلفة مثل «التطبيع والإبراهيمية وإسرائيل الكبرى» واستطاع فعلا جر الولايات المتحدة الأمريكية لشن حرب على إيران، وبنتيجة عكسية تماما تخرج إيران من عزلتها الدولية، وتنال التحرر من العقوبات والحصار وتجميد الأصول، حتى أنه - أي الكيان المحتل وبغير ما يرغب - ملزم بوقف الحرب في لبنان، وربما العودة لخطة ترامب للسلام في فلسطين، وهذا وغيره يجعل مدة الستين يوم للتفاوض في مذكرة التفاهم فرصة كافية لنتنياهو لخلط الأوراق وتصعيب الاتفاق أو خلخلته، لكن يجب التذكير بأن استطلاعا أخيرا في الكيان المحتل أظهر أن 59% من الإسرائيليين مع خروج نتنياهو من المشهد، وهذا خيار مهم بيد الرئيس الأمريكي ترامب.

