: آخر تحديث

عن «المناطق التجريبية»

1
1
1

في مايو (أيار) عام 2000 انسحب العدو الإسرائيلي من جنوب لبنان من دون أي مفاوضات ولا قيد أو شرط، فقد وفّى إيهود باراك بوعده لـ«الأمهات الأربع» بالانسحاب حال فوزه بانتخابات الكنيست. يومها أحدث ذلك الانسحاب صدمة لأركان النظام الأمني السوري - اللبناني، لأنَّ الخطوة تُفقد دمشق الدور الذي رسمته لجنوب لبنان كصندوق بريد مع إسرائيل وساحة لتحسين الشروط.

ولم يتأخر النظام السوري فاستحدث قضية «مزارع شبعا» لتبرير بقاء السلاح اللاشرعي، وتالياً بقاء الوظيفة المرسومة للجنوب ولبنان. تبعاً لذلك تم الإيعاز لإميل لحود، رئيس الجمهورية، بترك الجنوب في عهدة الثنائي «أمل» و«حزب الله» ليصبح هذا الثنائي مرجعية للمواطن الجنوبي، واقتصر دور السلطة على جولة لرئيس الحكومة آنذاك سليم الحص، أعلن بعدها استكمال تنفيذ القرار الدولي 425 الذي لم يكن يشمل أبداً مزارع شبعا، التي احتُلت في نهاية حرب 1967. يومها أبلغت بيروت الأمم المتحدة بأنه لا احتلال لأراضٍ لبنانية، لذلك لم يتضمن القرار الدولي 242 أي إشارة إلى لبنان.

أعقب انسحاب عام 2000 ترسيم الخط الأزرق كخطٍّ للانسحاب تحت إشراف الأمم المتحدة. فطُرحت آنذاك فكرة «فوج تجريبي» تُناط به مسؤولية منطقة الشريط الحدودي، الذي كانت السيطرة عليه تحت الاحتلال، لتنظيم «جيش لبنان الجنوبي» بقيادة أنطوان لحد. وهدفت الفكرة إلى خلق مناخٍ آمن لمواطنين لم ينزحوا إلى إسرائيل، إثر التنفيذ السريع للانسحاب الإسرائيلي. وقيل إنَّ ذلك قد يشجع آخرين على العودة وتسوية أوضاعهم أمام القضاء... الفكرة خُنقت في المهد ولم تدافع عنها الحكومة أمام ضغوط الوجود السوري وحسن نصر الله وإميل لحود!

اليوم، وبعدما أدت حرب «الإسنادين» لغزة وإيران إلى عودة الاحتلال، بشكل مضاعَف عمَّا كان عليه قبل عام 2000، تأكد أن «المقاومة» التي فقدت هذه الصفة منذ التحرير، ليست وسيلة قادرة على إزالة الاحتلال، فارتدى أهمية خاصة الطرح الأميركي الذي تم تقديمه في جولة المفاوضات السابقة؛ وقوامه: «مناطق تجريبية تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد جميع الجهات الفاعلة غير الحكومية منها». أي ينسحب العدو الإسرائيلي من مناطق محتلة معينة فيتم تسليمها للجيش، الذي يعمل بالتوافق مع لجنة «الميكانيزم» لإخلائها من أي وجود مسلحٍ خارج إطار الدولة، على أن يَستتبع ذلك بدءُ عودة النازحين لإطلاق المسيرة الطويلة لإعادة الإعمار.

النظرة الواقعية إلى الأمور تشي بأن «حزب الله» عرّض لبنان لهزيمة ساحقة ونكبة تاريخية أُنزلت بأهل الجنوب الذين اقتُلعوا من أراضيهم، ومعروف أنْ لا إمكانية لإجلاء الاحتلال الذي لم يتستر يوماً على أطماعه والإملاءات التي يريد فرضها. ولئن سبق وحاز «حق» التحرك متى يشاء، فقد لاقى القبول أميركياً، التغييرُ الاستراتيجي الذي اعتمده بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 القائم على «الدفاع المتقدم» من أراضي الغير، لجعل الحدود غير قابلة للاختراق. وأخذاً في الاعتبار اقتراب انتخابات الكنيست مما يعني تصلباً إسرائيلياً، فإنَّ جولة المفاوضات الراهنة التي بدأت اليوم في واشنطن ترتدي أهمية استثنائية، كون «المناطق التجريبية»، بخرائطها وحدودها، هي أبرز القضايا المطروحة. وجليٌّ هنا أنَّ واشنطن تسعى إلى تحويل تفاهمات وقف النار إلى وقائع ميدانية عبر اختبار قدرة الجيش، وخلفه الحكومة اللبنانية، على بسط سيطرته على مناطق محددة تمهيداً لتوسيع التجربة إلى نطاقٍ أوسع. هذا المنحى يعني على الأرض جعل السلطة المرجع الوحيد للمواطنين، كما هو مفترض، فتسقط بذلك حالة «الكانتون» التي سادت الجنوب منذ عام 2000!

ما هو مطروح اليوم في المفاوضات المباشرة، إن رضخت تل أبيب، يكرِّس مسار لبنان المنفصل ويفتح كوَّة جدية لبدء انسحاب متدرج. ولأن موازين القوى جاثمة على طاولة المفاوضات، فمن العبث الحديث عن أي إمكانية لفرض انسحاب شامل يحاكي انسحاب عام 2000... لكن تزامناً يوفر هذا المخرج، وفق المنطق الأميركي، ضمانات أمنية لإسرائيل. ومفيد هنا العودة إلى اتفاق الهدنة لعام 1949 الذي حمل اعترافاً إسرائيلياً بالحدود الدولية للبنان، ونصَّ على منع استخدام الأراضي اللبنانية للاعتداء على إسرائيل، وكذلك عدم الاعتداء في المقابل، ليشكل اتفاق القاهرة (1969) الخرق الكبير لاتفاق الهدنة. لكنَّ القرارات الحكومية في 5 أغسطس (آب) الماضي ببسط السيادة ونزع السلاح اللاشرعي، ثم قرارات الحكومة في 2 مارس (آذار) الماضي بحظر العمل العسكري والأمني لـ«حزب الله» وتجريمه، أنهى كل المفاعيل القانونية لاتفاق القاهرة!

رفضَ «المناطقَ التجريبية» فوراً «حزبُ الله» ورئيسُ البرلمان نبيه بري. الأول يدرك جيداً أن المطروح تنفيذه بإشرافٍ مباشر من «الميكانيزم» يعني استحالة إعادة تموضعه في هذه المناطق التي تسترجعها السلطة للمرة الأولى منذ عقود، مما يعزز مكانة الدولة ومرجعيتها. من هذا المنطلق قد تحمل «المناطق التجريبية»، إنْ نجحت، عنوان إجلاء الاحتلال الإسرائيلي، وإنهاء السلاح اللاشرعي ودور «الحرس الثوري» في لبنان الذي، وفق رئيس الحكومة، هو من يقود الأعمال العسكرية فوق إرادة الدولة وقرارها!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد