: آخر تحديث

حين كان المقال يصل..!

1
2
1

عبدالله بن محمد آل الشيخ

في أيام الصيف الحارة..

وبينما يبحث الناس عن نسمة هواء تخفف وطأة القيظ..

وجدتني أبحث عن شيء آخر افتقدناه في زمننا هذا:

ليس شارعًا قديماً.. ولا مجلساً عتيقاً.. بل ذلك الأثر الذي كانت تصنعه الكلمة حين تُكتب وذلك الصدى الذي كان يحدثه

المقال حين يُنشر..

سؤال ظل يراودني كثيراً: هل تغيّرت الصحافة؟ أم تغيّر الناس من حولها؟ أم أن الزمن نفسه أخذ معه أشياء جميلة كنا نظن أنها ستبقى؟

عشت زمناً.. كانت فيه الصحافة الورقية نافذة المجتمع وصوت المواطن ومرآة المسؤول..

كانت الصحف تُقرأ باهتمام، وتُناقش مقالاتها في المجالس ويتابعها المسؤول قبل المواطن..

وكان الكاتب حين يكتب ملاحظة أو يطرح فكرة أو ينقل همّاً عاماً يشعر أن ما كتبه سيصل تلك اللحظة إلى من يعنيه الأمر..

بل إن بعض المسؤولين كانوا يتواصلون مع الكاتب مباشرة يشكرونه إن أحسن.. ويوضحون إن كان هناك التباس

ويستفسرون إن كانت هناك قضية تستحق المتابعة..

لم يكن ذلك ضعفاً من المسؤول، بل ثقةً بالنفس وإيماناً بأن الجميع يعمل من أجل هدف واحد..

وكانت القنوات التلفزيونية تستعرض صباحاً مساء ما كتبته الصحف فنسمع ونشاهد:

«قالت الرياض»، و«كتبت عكاظ»، و«تناولت الجزيرة» .. فتشعر أن ما يُنشر جزء من المشهد الوطني العام، وأن الكلمة ما زالت تملك حضورها وتأثيرها..

أما اليوم: فقد تبدلت الأدوات وتغيرت الوسائل..

جاءت الصحافة الإلكترونية وفتحت أبواباً واسعة للسرعة والانتشار والوصول إلى القارئ في كل مكان وهي بلا شك نقلة مهمة تستحق التقدير والإشادة لكن وسط هذا الزخم الرقمي الهائل يشعر بعض الكتَّاب بأن المسافة بينهم وبين المسؤول أصبحت أطول.. مما كانت عليه.. لا.. لأن الأبواب أُغلقت ولا لأن التواصل مستحيل، بل لأن ضجيج المنصات أصبح أكبر..

وكثرة الرسائل والمحتوى اليومي جعلت صوت المقال أحياناً أقل وضوحاً مما كان في السابق، ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً:

«أليس من الجميل أن تعود جسور التفاعل بين الكاتب والمسؤول؟

أليس من المفيد أن يعلم الكاتب أن مقاله قد وصل؟

وأن ملاحظته قُرئت؟

وأن فكرته وجدت من يتأملها..

فالكاتب الوطني لا يبحث عن بطولة..!

ولا ينتظر مكافأة..

وإنما يسعد حين يشعر أن كلمته أسهمت في تطوير خدمة أو لفتت الانتباه إلى قضية أو دعمت نجاحاً يستحق الإشادة..

ومن الإنصاف أن نقول إن قيادتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله.

وسمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان آل سعود أكدت مراراً أن المسؤول في خدمة المواطن، وأن التطوير المستمر هو نهج الدولة في مختلف القطاعات ولهذا فإن الحديث عن تعزيز التواصل مع ما يُكتب في الصحافة لا يُعد نقداً لأحد، بل دعوة محبة لاستكمال صورة مشرقة تعيشها بلادنا في مختلف المجالات..

وقد صدق الشاعر حين قال:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ

فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ

فالأوطان الكبيرة لا تتوقف عند ما تحقق، بل تسعى دائماً إلى ما هو أفضل..

كما أن مقولة إن الأعداء يستغلون ما يُكتب لا ينبغي أن تمنع من الطرح المسؤول، فالأعداء سيستغلون النجاح كما يستغلون الإخفاق وسيبحثون عن التأويل في كل الأحوال..

أما المجتمع الواثق من نفسه فيناقش قضاياه بعقل.. ويعالج ملاحظاته بحكمة.. ويحوّل النقد البنّاء إلى فرصة للتطوير..

إن ما نحتاجه اليوم ليس العودة إلى الصحافة الورقية، فالزمن لا يعود إلى الوراء، وإنما العودة إلى روح ذلك الزمن الجميل:

زمن التفاعل وزمن الاهتمام بالكلمة وزمن الشعور بأن الكاتب والمسؤول شريكان في خدمة الوطن..

وفي الختام، يبقى الأمل كبيراً بأن تظل صحافتنا الوطنية الورقية منها والإلكترونية منابر وعي ومسؤولية، وأن تستعيد الكلمة مكانتها وتأثيرها، وأن تبقى جسور التواصل مفتوحة بين الجميع في وطنٍ يقوده رجال أوفياء، ويستحق منا جميعاً أن نكتب له

ونعمل من أجله ونختلف بمحبة ونتفق على هدف واحد.. خدمة المملكة ورفعتها.

حفظ الله وطننا وقيادتنا، وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار والازدهار، وجعل الكلمة الصادقة دائماً جسراً للتقارب والبناء والعطاء..


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد