: آخر تحديث

الهروب إلى الاتفاق

1
1
1

مع الكثير من التصريحات الإعلامية والصور والمصافحات، يبدو الاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران -في ظاهره- خطوة نحو التهدئة، لكنه في الحقيقة مجرد مخرج مؤقت من حرب اكتشف جميع الأطراف أنها أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.. ولذلك فإن السؤال الحقيقي: هل يملك هذا الاتفاق مقومات البقاء؟

أغلب الظن أن المشكلة لم تكن يومًا في قوة إيران العسكرية أو في عجز الولايات المتحدة عن إلحاق الضرر بها، بل في طبيعة النظام الإيراني نفسه؛ فالدول التي تملك اقتصادًا مزدهرًا واستثمارات ضخمة وعلاقات دولية واسعة تتجنب الحروب لأنها تملك الكثير مما يمكن أن تخسره، أما النظام الإيراني فقد عاش عقودًا طويلة تحت العقوبات والعزلة والأزمات، حتى أصبحت قدرته على التكيف مع الضغوط جزءًا من بنيته السياسية.

ولهذا فإن استمرار المواجهة وحالة الحرب هما في الواقع الفرصة الوحيدة التي تمنح النظام الإيراني القدرة على الهروب من استحقاقات الداخل.. فاليوم التالي للحرب بالنسبة للنظام الإيراني قد يكون أكثر خطورة عليه من الحرب نفسها؛ إذ ستنكشف الأسئلة الحقيقية حول الاقتصاد والمعيشة والبطالة ومستقبل الشعب الإيراني، وهي الملفات التي طالما نجح في تأجيلها عبر المفاوضات المفتوحة والأزمات الخارجية المتكررة، فمنذ وصوله إلى السلطة، اعتاد النظام الإيراني العيش بين جولات التفاوض وجولات التصعيد، وكأن إدارة الأزمات أصبحت جزءًا من آلية بقائه، ولذلك فإن الاعتقاد أن المزيد من الانخراط العسكري سيقود تلقائيًا إلى نتائج سياسية حاسمة يبدو افتراضًا يحتاج إلى كثير من المراجعة.

المخرج الحقيقي لا يكمن في الغرق أكثر في المستنقع، ولا في البحث عن انتصارات رمزية واتفاقات هشة، بل في بناء معادلة جديدة تقلص مصادر الخطر، وتجبر إيران على التخلي عن طموحاتها النووية، وتضع حدًا لمشاريعها العابرة للحدود، وتمنع تحويل الأزمات الإقليمية إلى وسيلة دائمة لإعادة إنتاج النظام وأزماته.. فالهدف ليس تغيير طبيعة المجتمع الإيراني، ولا الدخول في حرب بلا نهاية، وإنما تحييد المخاطر التي جعلت المنطقة رهينة لدورات متكررة من التوتر منذ عقود، وربما يكون النجاح الحقيقي هذه المرة، ليس في تحقيق نصر كبير، بل في منع أزمة أكبر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد