: آخر تحديث

الوثنُ الذي يسكنُ المرايا

1
2
1

لا يموتُ جميعُ الناسِ في المقابر، فبعضُهم يُدفَنُ قبلَ ذلك بسنوات. حيث يُدفَنُ تحتَ طبقاتٍ من الغرور وأكوامٍ من الإعجابِ بالنفس وجبالٍ من اليقينِ المفرط. فثمّةَ موتٌ آخر لا تراهُ العيون ولا تُدوّنهُ شهاداتُ الوفاة ولا تُشيّعهُ الجموع. موتٌ يبدأُ حينَ يتوقّفُ الإنسانُ عن مراجعةِ ذاتِه ويستبدلُ البحثَ عن الحقيقةِ بالدفاعِ عن صورتِه.

ففي تلكَ اللحظةِ تحديدًا يبدأُ الجزءُ الأجملُ فيه بالذبول. ليس لأنَّه فقدَ عقلَه بل لأنَّه افتُتِنَ بذاتِه. وما أكثرَ الذينَ أهلكتْهم الصورةُ التي رسموها لأنفسِهم. فلقد دخلوا الحياةَ تلاميذَ للحقيقة ثم خرجوا منها حرّاسًا لأوهامِهم. حيث كانوا يظنّونَ أنَّ المعرفةَ سلّمٌ للصعود، فحوّلوها إلى مِحرابٍ للأنا، وكانوا يظنّونَ أنَّ النجاحَ وسيلةٌ للارتقاء، فجعلوا منه مرآةً يتأمّلون فيها أنفسَهم حتى نسوا الطريق.

ولعل المأساةَ الكبرى لا تبدأُ حينَ يُصبحُ الإنسانُ مخطئًا، بل حينَ يُصبحُ غيرَ قادرٍ على احتمالِ فكرةِ أنَّه قد يكونُ مخطئًا. فهناكَ تحديدًا تبدأُ العتمة. فالعقلُ الذي لا يُحاكمُ أفكارَه يتحوّلُ إلى دهليزٍ بلا مخارج، والرأيُ الذي لا يقبلُ المراجعةَ يتحوّلُ إلى صنم، والذاتُ التي لا تعرفُ حدودَها تتحوّلُ إلى هاوية.

ولعلَّ أخطرَ ما في الأنا أنَّها لا تأتي في هيئةِ عدوٍّ واضحٍ يمكنُ التنبّهُ له، بل تأتي في هيئةِ مرآة. وفي البدءِ لا يبدو الأمرُ خطيرًا بل مجردُ إعجابٍ بالنفس، ثم يتحوّلُ الإعجابُ إلى افتتان، ويتحوّلُ الافتتانُ إلى قناعةٍ خفيّةٍ بأنَّ المرءَ استثناء، وأنَّ ما يراهُ هو الصواب، وأنَّ ما يقولهُ هو الحقيقة.

وهناكَ يولدُ الوثنُ الذي يسكنُ المرايا. وثنٌ لا يُنحَتُ من حجرٍ، بل من الإعجابِ المتراكم، ولا يُشيَّدُ من صخرٍ، بل من التصفيقِ الطويل، ومن الثناءِ الذي لم تُهذّبهُ الحكمة. حيث يقفُ صاحبُه أمامَه كلَّ يوم، فيرى ما يُرضيه لا ما يُشبهه، ويُصغي إلى صدى صوتِه حتى يظنَّ أنَّه صوتُ الحقيقة.

ومع مرورِ الزمنِ لا يعودُ يرى الكون كما هو، بل كما تنعكسُ صورتُه عليه. فتضيقُ مساحةُ المراجعة، وتتّسعُ مساحةُ التبرير، ويصبحُ النقدُ خصومةً، والنصيحةُ إساءةً، والاختلافُ خروجًا على مملكةِ الأنا. وهكذا يفقدُ الإنسانُ أعظمَ نعمةٍ مُنحتْ له وهي القدرةُ على رؤيةِ نفسِه كما هي.

فالعينُ ترى الأشياء، أمّا البصيرةُ فترى الحقائق. والعينُ قد تُخدعُ بالمظاهر، أمّا البصيرةُ فلا تُخدعُ إلا حينَ تتنازلُ عن تواضعِها. ولهذا كان الحكماءُ أكثرَ الناسِ خوفًا من أنفسِهم. حيث كانوا كلّما ازدادوا علمًا ازدادوا إدراكًا لبحارِ المجهولِ التي لا شواطئَ لها. وكلّما اقتربوا من الحقيقةِ شعروا أنَّهم ما زالوا في بداياتِ الطريق.

أمّا أصحابُ الأنا المتضخّمة، فإنهم يتوقّفون عن السير. حيث يكتفونَ بما وصلوا إليه، ثم يبنونَ حولَه أسوارًا من الثقةِ الزائدة، ويجلسونَ داخلها كحرّاسِ أوثانٍ صنعوها بأيديهم. لكنَّ الحياةَ لا تعترفُ بالسراب، حيث إنَّها تمتحنُ الجميع. وحينَ تأتي لحظةُ الامتحان، تتكسّرُ المرايا، وتسقطُ الزخارف، وتتعرّى الصورُ المصنوعة، ويكتشفُ الإنسانُ أنَّ ما كان يحرسُه طوالَ عمرِه لم يكن سوى انعكاسٍ هشٍّ على سطحِ زجاج، وأنَّ ما كان يظنُّه علوًّا لم يكن سوى خوفٍ عميقٍ من الاعترافِ بالنقص.

لذلك فإنَّ أعظمَ أشكالِ النضجِ ليست أن تعرفَ كثيرًا، بل أن تبقى قادرًا على التعلّم. وأعظمَ أشكالِ القوةِ ليست أن تنتصرَ دائمًا، بل أن تمتلكَ شجاعةَ مراجعةِ نفسِك. وأعظمَ أشكالِ الحكمةِ ليست أن ترى عيوبَ العالم، بل أن ترى عيوبَك بوضوحٍ دون أن تفقدَ احترامَك لنفسِك.

فكثيرٌ من العظماءِ لم تهزمْهم الحروب، ولا الخصوم، ولا تقلّباتُ الزمان. بل هزمَهم ذلكَ الكائنُ الصغيرُ الذي نما في داخلِهم بصمت، فالأنا ذلكَ الوثنُ الذي يسكنُ المرايا، وذلكَ القبرُ الذي يمشي على قدمين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.