: آخر تحديث

التداعيات الاقتصادية للنزاع بالمنطقة

4
3
4

تشهد المنطقة العربية، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، وللأسف الشديد جدًا في الوقت الراهن، تصاعدًا ملحوظًا في حدة النزاعات والتوترات الجيوسياسية، على خلفية الهجوم العسكري الأميركي والإسرائيلي على دولة إيران، ويعكس هذا المشهد العسكري والسياسي المقلق والمربك جدًا تعقيد البيئة الإقليمية وتشابك المصالح السياسية، في ظل إرهاصات الحرب وما يرافقها من ضبابية وعدم وضوح في الرؤية المستقبلية، وقد ازداد الوضع الإقليمي والعربي تعقيدًا مع الاعتداء الإيراني على بعض دول الخليج بحجج واهية، رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا أو غير مباشرًا في الصراع ولا مشاركة فيه أو حتى داعمة له، الأمر الذي يوسع من دائرة التوتر ويزيد من احتمالات اتساع نطاق الأزمة في المنطقة.

كما ويلقي هذا المشهد المعقد بظلاله على استقرار المنطقة وسيادتها واستتباب الأمن فيها، ولا تقتصر تداعياته على البعد السياسي والأمني فحسب، بل تمتد لتطال الاقتصاد العالمي أيضًا، ولا يقتصر أثر هذه الصراعات على الجوانب الأمنية والسياسية فحسب، بل يمتد ليترك بصماته الواضحة على سلاسل الإمداد العالمية، نتيجة المخاطر التي قد تطال المضايق المائية الحيوية، مثل مضيق هرمز، وكذلك الممرات البحرية المهمة كالبحر الأحمر وباب المندب وغيرها من المسارات الاستراتيجية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية.

فعلى سبيل المثال، يمر عبر البحر الأحمر وممر باب المندب وصولاً إلى قناة السويس ما بين 12 % إلى 15 % من إجمالي التجارة العالمية، إضافة إلى نحو 8 % إلى 10 % من تجارة النفط المنقول بحرًا، أما بالنسبة لمضيق هرمز، فيُعد من أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، حيث يمر عبره ما يقارب 11 % من التجارة البحرية العالمية، ونحو 30 % من النفط المنقول بحرًا، بما يعادل أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميًا.

ولذلك فإن أي اضطراب أمني أو عسكري في هذه الممرات الحيوية قد يؤدي إلى تعطّل حركة الشحن العالمية أو ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والسلع الأساسية ويزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي، ومن بين أبرز التداعيات السلبية للصراعات السياسية والعسكرية ارتفاع أسعار الطاقة عمومًا، ولا سيما أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية. فعلى سبيل المثال، تجاوزت أسعار النفط العالمية، ممثلة في مزيج برنت، حاجز 100 دولار للبرميل، كما شهدت أسعار الغاز ارتفاعات ملحوظة نتيجة حالة عدم اليقين التي تفرضها التوترات الجيوسياسية على أسواق الطاقة.

وقد أدى التصعيد العسكري والسياسي إلى تسجيل قفزات يومية كبيرة في أسعار النفط، حيث ارتفعت في المتوسط بنسبة تجاوزت 80 % وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ أكثر من أربعة عقود، وتحديدًا منذ عام 1982، كما وأن وتيرة الارتفاع الحالية تفوق من حيث حدّتها ما شهدته الأسواق خلال عام 2022 نتيجة لتداعيات الحرب، وهو ما يعكس مدى حساسية أسواق الطاقة العالمية لأي توترات جيوسياسية في منطقة تعد من أهم مناطق إنتاج وتصدير الطاقة في العالم.

أما أسعار الغاز الطبيعي، فقد تأثرت هي الأخرى نتيجة المخاوف المرتبطة باضطراب إمدادات الطاقة العالمية، خصوصًا في ظل القلق بشأن تراجع توفر الغاز في الأسواق الدولية، والذي أدى إلى الدفع بالأسعار نحو المزيد من الارتفاع مع زيادة الطلب وانخفاض المخزونات وتنامي حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة.

ومن المتوقع أن ينعكس ارتفاع أسعار الغاز مباشرة على أسعار الكهرباء والصناعات الثقيلة في أوروبا وآسيا، الأمر الذي قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة بعد أن بدأت معدلات التضخم تتراجع تدريجيًا منذ أزمة الطاقة العالمية في عام 2022.

هذه المتغيرات من شأنها أن تؤدي إلى ضغوط تضخمية واضحة، خصوصًا في الدول الأكثر استهلاكًا للنفط والغاز، حيث ينعكس ارتفاع أسعار الطاقة مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل والتشغيل. ومع انتقال هذه الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات، ترتفع معدلات التضخم، ما يضع ضغوطًا إضافية على اقتصادات تلك الدول ويؤثر في القوة الشرائية للمستهلكين.

ومن هنا تبرز أهمية قراءة هذا النزاع ليس فقط من زاويته السياسية، بل أيضًا من منظور اقتصادي أوسع، لفهم حجم تأثيراته المباشرة وغير المباشرة على النمو والاستثمار واستقرار الأسواق في المنطقة والعالم، كما ويفتح هذا المشهد باب التساؤلات حول مستقبل العلاقات الخليجية والعربية مع إيران في ظل هذه التطورات المتسارعة.

وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات إلى تعزيز التنسيق الأمني والعسكري بين الدول العربية والخليجية، عبر بلورة إطار دفاعي مشترك يضمن حماية المصالح الاستراتيجية للمنطقة، وقد برزت في هذا الإطار مقترحات تدعو إلى إنشاء منظومة دفاعية جماعية على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تقوم على مبدأ الدفاع المشترك وتكامل القدرات العسكرية والأمنية بين الدول الأعضاء، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وردع التهديدات المحتملة في ظل التحديات الجيوسياسية المتصاعدة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد