الاقتصاد ليس مجرد أرقام تُسجَّل في تقارير البنوك أو منحنيات تُرسَم في قاعات الجامعات، بل هو نسيجٌ خفيٌّ يتداخل مع تفاصيل حياتنا اليومية. إنه حاضر في توقيت استيقاظنا، وفي اختيارنا لوجبة الإفطار، وفي قرارنا بالعمل أو الراحة، وحتى في شكل عطلاتنا. قد نظن أن الزمن مفهوم طبيعي ثابت، لكن الاقتصاد أعاد تشكيله؛ فمواعيد العمل والإنتاج، وساعات الدوام، وأنماط الاستهلاك، كلها صنعت إيقاعاً خاصاً للحياة الحديثة. هكذا أصبح الاقتصاد أشبه بضوءٍ يشع في كل مكان، لا يُرى دائماً، لكنه يوجّه الحركة ويحدد المسار.
حين نتأمل يومنا العادي نجد أن القرارات الصغيرة التي نتخذها -ماذا نشتري، أين نعمل، كيف نقضي وقتنا- هي في جوهرها قرارات اقتصادية. نحن نختار بين بدائل، ونوازن بين كلفة وفائدة، ونسعى إلى تحقيق أكبر منفعة ممكنة ضمن موارد محدودة. هذا المنطق لا يقتصر على الأسواق والمتاجر، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية والتعليم وحتى داخل الأسرة.
من أبرز من عمّق هذا الفهم الاقتصادي للحياة المفكر والاقتصادي الأمريكي غاري بيكر، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو وأحد أعلام مدرسة شيكاغو للاقتصاد. رأى بيكر أن الاقتصاد ليس علم المال فحسب، بل علم السلوك الإنساني. ففي محاضرته الشهيرة حول «الطريقة الاقتصادية في النظر إلى الحياة»، أوضح كيف يمكن استخدام أدوات التحليل الاقتصادي لفهم قضايا تبدو بعيدة عن السوق، مثل الزواج، والتعليم، والجريمة، واتخاذ القرار داخل الأسرة.
الفكرة الأساسية في طرحه أن الإنسان، في مختلف جوانب حياته، يتصرف وفق منطق الاختيار العقلاني؛ فهو يقارن بين البدائل، ويتوقع النتائج، ويتحمّل التكاليف مقابل المنافع. حتى القرارات التي نراها عاطفية يمكن فهمها ضمن إطار المفاضلة بين خيارات متعدّدة، في ظل قيود زمنية ومالية واجتماعية. وبهذا المعنى، يصبح الاقتصاد لغة لفهم الإنسان، لا مجرد معادلات ورسوم بيانية.
وقد شدّدت مدرسة شيكاغو على أهمية الحوافز في تشكيل السلوك البشري؛ فالناس يستجيبون للتغيّر في الأسعار والقوانين والفرص. عندما ترتفع كلفة شيء ما يقل الإقبال عليه، وعندما تزداد الفائدة المتوقعة يزداد السعي نحوه. لذلك فإن السياسات الاقتصادية لا تغيّر الأرقام فقط، بل تعيد تشكيل أنماط العيش والعلاقات داخل المجتمع.
إن العلاقة بين الاقتصاد والحياة علاقة تفاعل مستمر. نحن نصنع الاقتصاد بقراراتنا اليومية، وهو بدوره يعيد تشكيل أوقاتنا وأولوياتنا وطموحاتنا. وبين الإنسان والزمن والموارد المحدودة تتشكّل قصة البحث الدائم عن التوازن والاستقرار والمعنى. وهكذا يتضح أن الاقتصاد ليس قوة بعيدة عنا، بل هو مرآة تعكس طبيعتنا البشرية وسعينا المستمر نحو حياة أفضل وأكثر تنظيماً.

