إيلاف من كان: خيمت السياسة على فعاليات مهرجان كانّ السينمائي منذ اليوم الأول، فالمهرجان لم يعد مجرد مساحة لعروض الأفلام والتصفيق الحار داخل قاعات العرض، بل تحوّل إلى منصة مفتوحة للنقاشات السياسية والاجتماعية، حيث امتزجت السينما بالأسئلة الكبرى حول العدالة والتمييز والحروب والرأسمالية، في سلسلة من المؤتمرات والحوارات التي كشفت كيف باتت السينما العالمية أكثر انخراطًا في قضايا الواقع.
خافيير بارديم: لا مبرر للإبادة الجماعية
تحول المؤتمر الصحفي لفيلم «The Beloved»، إلى مساحة سياسية مباشرة بعد تصريحات النجم الإسباني خافيير بارديم، الذي تحدث بوضوح عن الحروب والانتهاكات الإنسانية، مؤكدًا أن «الإبادة الجماعية غير مقبولة ولا يمكن تبريرها».

بارديم المعروف بمواقفه المناهضة للحروب وقتل الأبرياء، أشار إلى أن الخوف موجود دائمًا حين يتحدث الفنانون في القضايا الحساسة، لكنه شدد على ضرورة قول ما يجب قوله حتى مع احتمالية التعرض للعواقب أو التهميش. كما تحدث عن تغير وعي الأجيال الجديدة، معتبرًا أن الشباب باتوا أكثر إدراكًا للواقع من خلال ما يشاهدونه يوميًا عبر الشاشات والهواتف.
تصريحات بارديم أعادت التذكير بالدور السياسي المتنامي للفنانين في «كانّ»، خاصة في ظل تصاعد الأزمات الإنسانية عالميًا، وتحول المؤتمرات الصحفية إلى منابر للنقاش العام لا تقل أهمية عن الأفلام نفسها.
جيمس غراي: حين يصبح السوق إلهًا
النقاش الأكثر حدة جاء خلال مؤتمر فيلم «Paper Tiger»، حيث شن المخرج الأميركي جيمس غراي هجومًا لاذعًا على الرأسمالية الحديثة، معتبرًا أن هيمنة السوق منذ ثمانينيات القرن الماضي تركت أثرًا «مدمرًا» على الإنسان.

غراي رأى أن المجتمع بات يقيس قيمة الأفراد بقدرتهم على تحقيق الربح فقط، ما أدى إلى شعور أجيال كاملة بالضياع. وقال إن اللحظة التي أصبح فيها «السوق هو الإله» كانت بداية أزمة أخلاقية ونفسية عميقة، مؤكدًا أن الفن والعائلة والموسيقى تبقى الوسائل القليلة القادرة على إنقاذ الروح وسط هذا العالم القاسي.
سارة إسحق: الحدود تحدد سعادة الإنسان
القضايا العربية كانت حاضرة خلال اليوم أيضًا، فخلال العرض الأول لفيلمها «المحطة»، ضمن «أسبوع النقاد» والذي حاز على تحية طويله من الحضور، قالت سارة إن سعادتها غير مكتملة بسبب عدم تمكن فريق التمثيل من حضور العرض والاعتزاز بهذه اللحظة الهامة في تاريخ السينما اليمنية، وذلك بسبب عجزهم عن استخراج تأشيرات الدخول إلى فرنسا.
قالت إسحاق إن الحدود التي خلقتها البشر، وجوازات السفر، تحولت إلى قيد، يحدد مصير الإنسان، ومن له حق السعادة والاحتفاء بإنجازاته ومن لا، واصفة العالم الذي نعيشه بأنه «غير عادل».
كيت بلانشيت: السينما ما زالت رهينة التمييز
في جلسة «Rendez-vous with»، عادت كيت بلانشيت إلى الحديث عن حركة #MeToo، معربة عن أسفها لما وصفته بمحاولة إسكات الحركة سريعًا رغم ما كشفته من بنى متجذرة للإساءة داخل صناعة السينما وخارجها.

بلانشيت استحضرت مشاركتها في المسيرة النسائية الشهيرة على درجات «كانّ» عام 2018، مؤكدة أن اختلال ميزان القوى بين الرجال والنساء ما زال قائمًا حتى اليوم. وقالت إنها لا تزال تدخل مواقع التصوير لتجد عشرات الرجال مقابل عدد محدود جدًا من النساء، معتبرة أن بيئات العمل المتجانسة تؤثر سلبًا على الإبداع نفسه.
جوليان مور: المساواة لا تزال بعيدة
خلال تكريمها ضمن مبادرة «Women in Motion»، أكدت النجمة الأميركية جوليان مور على نفس الفكرة، قائلة إن المساواة الحقيقية بين الجنسين لا تزال «بعيدة جدًا» في أجزاء واسعة من العالم، معتبرة أن القضية لا ترتبط بصناعة السينما وحدها، بل تمثل أزمة عالمية ممتدة.

مور، الحائزة على الأوسكار عن «Still Alice»، تحدثت عن ضرورة استمرار الضغط والتغيير التدريجي داخل المؤسسات الفنية، وشبّهت النضال النسوي بمحاولة فأر اخترق جدار «قضمة تلو الأخرى»، في إشارة إلى بطء التغيير رغم أهميته. كما أعادت تصريحاتها النقاش حول تمثيل النساء في مواقع السلطة داخل السينما العالمية، خاصة مع استمرار المبادرات المطالبة بتكافؤ الفرص في المهرجانات والاستوديوهات الكبرى.
وبينما كانت أفلام اليوم الخامس تُعرض على الشاشات، بدت النقاشات خارجها وكأنها الوجه الآخر للمهرجان؛ سينما تحاول فهم العالم، وفنانون يرفضون الاكتفاء بالأدوار التمثيلية، ليصبح «كانّ» مرة أخرى مساحة يتجاور فيها الفن مع السياسة، والأسئلة الإنسانية مع سحر السينما.


