: آخر تحديث

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

2
2
1

وماذا الآن؟ - هذا التساؤل الذي ينصح منظرو الحرب، من سون تزو إلى جوميني وليدل هارت، مروراً بكلاوزفيتز، القادةَ بطرحه قبل إصدار الأمر بإطلاق الرصاصة الأولى في أي حرب. وعليه، ربما يتعين على الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يطرح هذا التساؤل على نفسه هو الآخر قبل أن يُشعل، كما يتوقع الكثيرون، جولة جديدة من الهجمات العسكرية على إيران.

من جهتها، ترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن ترمب، بتشكيله أكبر قوة ضاربة منذ عام 2003، قد وضع نفسه في موقف لا يستطيع الخروج منه، من دون أن يفقد ماء وجهه أو ما هو أسوأ. ويرى ريتشارد هاس، «العقل الاستراتيجي» السابق في وزارة الخارجية الأميركية، أن ترمب يندفع نحو الحرب من دون وعي.

على الجهة المقابلة، داخل طهران، يتوقع المسؤولون صورة من صور العمل العسكري، الذي يتوقعون أن يُنهي حالة التوتر القائمة، من دون تهديد وجود النظام الحالي.

فيما يخص المعارضة، بنى الأمير رضا بهلوي، ولي العهد الإيراني وأبرز معارضي النظام الإسلامي، استراتيجيته على افتراض أن هجوماً أميركياً سيشل قوات الأمن التابعة للنظام؛ ما يسمح لـ«فريقه» بدخول إيران، وتشكيل سلطة انتقالية، وإجراء استفتاء على النظام المستقبلي. وفي «رسالته الأخيرة للأمة»، قال بهلوي إن الهجوم الأميركي بات أكثر احتمالاً اليوم من أي وقت مضى.

من ناحيتهم، يرغب بعض كبار قادة النظام السابقين في حدوث مثل هذا الهجوم، على أمل أن يقضي على الفصيل «المتشدد»، ويسمح للجماعات «الداعمة للإصلاح» بوضع النظام على مسار جديد. علاوة على ذلك، ثمة اعتقاد لدى معظم القوى الإقليمية بأن الهجوم الأميركي، الذي تعارضه جميعها، قد يكون حتمياً.

من البداية، أود أن أؤكد على أنني، وقت كتابة هذا المقال، لا أعتقد أن الحرب حتمية. ومع ذلك، لا ينبغي في الوقت ذاته استبعاد احتمال نشوبها.

يقول تشيخوف إنه إذا ظهرت بندقية صيد في المشهد الأول من مسرحية، فكن على يقين من أنها ستُطلق البارود في المشهد الثالث. لذا؛ لا يمكن نشر حاملتي طائرات ضخمتين، ومئات الطائرات الحربية، وعشرات الآلاف من الجنود من دون أي استغلال لهم.

وتكمن المشكلة في أن «دبلوماسية السفن الحربية» الكلاسيكية، التي نجحت في القرن التاسع عشر، وإلى حد ما في القرن العشرين، لم تعد فاعلة كما كانت، وذلك بسبب أن جميع الأطراف تقريباً اقتنعت بأن الحرب لا تُحسم بإعلان أحد الطرفين النصر، بل باعترافه بالهزيمة.

من جهته، قال ستيف ويتكوف، وزير الخارجية الأميركي شبه الرسمي للرئيس ترمب، إن رئيسه مندهش من عدم استسلام رجال الدين الحاكمين في إيران، رغم معاينتهم الحشود العسكرية الهائلة حول إيران. واليوم، تحولت مسألة مهاجمة إيران، وكيفية تنفيذ ذلك، موضوع رائج في البرامج التلفزيونية وأحاديث المجالس في جميع أنحاء العالم.

وفي إحدى الليالي، وجّه الجنرال الفرنسي فرنسوا شوفانسي نصيحة إلى ترمب عبر «باريس تي في»، بتدريب وتسليح الإيرانيين المعارضين للنظام قبل شنّ هجومه. كما نصح الأكاديمي الفرنسي - الإيراني ديدييه إدجادي الرئيس الأميركي بنشر قوات خاصة، للقضاء على المقاومة بعد التدمير الأولي للأهداف الرئيسة. ومع ذلك، يتجنب معظم الخبراء المتحدثين سؤالاً محورياً: ماذا بعد؟ لذا؛ دعونا نحاول الإجابة عنه، حسب حجم الهجوم.

سيتبع هجوم قصير وحاد ومحدود بالضرورة قبول طهران لوقف إطلاق النار، وإبداء استعدادها للدخول في جولة جديدة من المفاوضات، تماماً مثلما حدث في يونيو (حزيران) الماضي. في هذه الحالة، سيكون الهجوم من دون جدوى؛ لأن طهران قد استخدمت بالفعل مسرحية المفاوضات التي استمرت لما يقرب من نصف قرن.

أما السيناريو الثاني، فيدور حول إضعاف «الفصيل المتشدد» داخل النظام، واستيلاء الجماعات الموالية للولايات المتحدة على السلطة. ويعني هذا العودة إلى أيام الرئيس باراك أوباما الخوالي، عندما كان جون كيري ومحمد جواد ظريف يتنزهان معاً على ضفاف بحيرة ليمان للتفكير في كيفية خداع منتقديهما في الداخل. بالتأكيد، لن يكون ترمب سعيداً بمثل هذا السيناريو الذي يعيدنا إلى الماضي، والذي كتبه الثلاثي أوباما وجو بايدن وهيلاري كلينتون.

ويدور السيناريو الثالث حول فكرة أن يتسبب الهجوم في انهيار النظام؛ ما يُمكّن «فريق» رضا بهلوي من تشكيل حكومة انتقالية وتنظيم استفتاء. في هذه الحالة، سيكون من المهم معرفة من سيشكّل تلك الحكومة الانتقالية، وبموجب أي قانون سيُجرى الاستفتاء، وما السؤال الذي سيطرحه. حينها، سندخل منطقة «المجهولات المبهمة»، التي وصفها دونالد رامسفيلد.

أما السيناريو الرابع، فقد يُزج بالولايات المتحدة في إطاره في حرب طويلة ومكلفة، تُفضي إلى ما يُشبه «خيار شمشون»، حيث سيعيش كل من كان داخل المعبد وحوله، بمن فيهم العملاق الأعمى، إن عاشوا، ليندموا على كل شيء.

أضف إلى ما سبق سيناريو «النصر السهل» - نسخة مُعدّلة مما حدث في أفغانستان، عندما فرّ الملا عمر على دراجته النارية، تاركاً للولايات المتحدة حرية تحديد من يحكم كابول. حتى في هذه الحالة، يصعب تخيّل أن تكشف الميزانيات عن استفادة الولايات المتحدة من أكبر إنفاق للدماء والأموال منذ لحظة الجنون الشهيرة داخل الهند الصينية.

ويبقى هناك سيناريو سادس، وإن كان أقل احتمالاً، يخضع لقاعدة «متجر الأواني الخزفية»: «إذا كسرت شيئاً، فأنت مسؤول عنه!». وهذا السيناريو مشروط بأن تكون على استعداد لخوض معركة طويلة قد تُثمر نتيجة إيجابية، كما حدث في ألمانيا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية، بعد الحرب العالمية الثانية وحرب شبه الجزيرة الأيبيرية. في إطار مثل هذا السيناريو، عليك الالتزام بقاعدة «الغزو، التطهير، السيطرة» الثلاثية، التي وضعها المنظّر الفرنسي للحرب جوميني؛ ما يعني الاستعداد للثبات على النهج إلى الأبد إذا لزم الأمر.

ويأتي الحديث عن الحرب مع إيران في وقت نحيي فيه الذكرى السنوية الرابعة لغزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا، حدث أسفر عن نتيجتين متناقضتين.

أولاً: أظهر هذا الغزو أن هذه الحرب من المتعذر تحقيق النصر فيها؛ لأن الطرف الأضعف لا يُسمح له بالاستسلام، في ظل خوف أوروبا من وقوع المزيد من العدوان الروسي.

ومن المفارقات، أن هذه الحرب التي لا يمكن كسبها جعلت الحرب أكثر شعبية في جميع أنحاء العالم. ويشهد متوسط الإنفاق العالمي على الجيوش زيادة بنسبة 40 في المائة. والرسالة الضمنية هنا: أنفق المزيد على الاستعداد للحرب، لكن اعلم أن الحرب قد لا تكون قابلة للانتصار فيها كما كانت عليه عبر التاريخ.

المؤكد أن إيران لا تزال تشكل مشكلة، ولو من منظور ما يُعرف بـ«فخ ثوسيديدس»، حيث تسعى قوة معارضة للوضع الراهن إلى إعادة تشكيل موازين القوى في منطقة ما، حسب خططها الخاصة. وغالباً ما يؤدي هذا الوضع إلى إشعال حرب تنتهي بخسارة الدخيل المتحدي.

ومع ذلك، تبقى هناك استثناءات، يجري في إطارها غلق الفخ القائم عبر تغيير النظام، بقيادة شعب الدولة المضطربة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد