لا تحتاج اللغة العربية إلى مقدمات عن أهميتها ومكانتها وعلاقتها الرئيسة بالهوية الوطنية والثقافية والتاريخية والاجتماعية.. الأهم في هذا الموضوع هو الخبر الجميل بموافقة مجلس الوزراء على السياسة الوطنية للغة العربية.
هذه السياسة هي اطار تنظيمي موحد وامتداد لأوامر سامية وقرارات سابقة من مجلس الوزراء تعزز مكانة اللغة العربية وتلزم الشركات والمؤسسات الأجنبية باستعمال اللغة العربية في مراسلاتها مع الجهات الحكومية، ومعاقبة المخالفين. والتأكيد على التزام الجهات الحكومية والشركات المملوكة للدولة باستعمال اللغة العربية في مراسلاتها وفي تحرير العقود ومرفقاتها ووثائقها المختلفة التي تتم بين هذه الجهات والشركات والمؤسسات الأجنبية. وأمر سامٍ ينص على أن تضمن الجهات الحكومية التي تعقد اتفاقيات أو مذكرات تفاهم مع دول أخرى من لغتين إحداهما اللغة العربية.
قبل كل ما سبق والأساس الثابت لسياسة المملكة تجاه اللغة العربية ينطلق من المادة الأولى من النظام الأساسي للحكم المتضمنة أن لغتها هي اللغة العربية والركيزة الأساسية في الهوية الوطنية السعودية.. نظام واضح وقرارات وأوامر متتابعة للتأكيد على تعزيز التمسك باللغة العربية واستخدامها في المجالات المختلفة.
جاءت السياسة الجديدة بنظرة شمولية وطنية وعلمية وثقافية وإعلامية حيث تضمنت في المنطلقات والأهداف مرجعية اللغة العالمية وموطنها الأصلي، وتعزيز مكانة اللغة في المجتمع، وترسيخ الفعالية الحضارية، وتعزيز استخداماتها في الجهات العامة والقطاعين الخاص وغير الربحي، وزيادة جاذبية البيئة السعودية للراغبين في تعلم اللغة العربية، وكذلك تمكين استعمال اللغة العربية في مجالات الحياة المتعددة.
وهكذا بنيت هذه السياسة على مبادئ أساسية كونها اللغة الرسمية للمملكة، ولهذا تضمنت تعزيز مكانة اللغة العربية في التعليم وفي البحث العلمي والإعلام ومجال الأعمال وفي الفضاء الدولي، والمجال الثقافي والفني.
تلك الأهداف الشاملة والمنطلقات الوطنية والعلمية والاجتماعية سيتبعها دور للتقييم وقياس أثر تفعيل السياسة، وسيقوم بهذا الدور مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية من إعداد التقارير الدورية لتكون عملية الدعم مستمرة لتحقيق أهداف هذه السياسة. مراجعة وتقييم الواقع ستكشف بعض الممارسات المخالفة أو الاجتهادات التي تحتاج إلى تقييم ودراسة ومنها قضية استخدام التقنية في مجال التعليم والتساؤلات المطروحة حول مدى تأثير ذلك على مستوى الطلاب في اللغة العربية، وهل أصبح الجيل الجديد من الخريجين يجيدون اللغة الإنجليزية أكثر من اللغة العربية؟
الممارسات الأخرى تفتح الباب لطرح تساؤلات حول معايير الترخيص لمسميات المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي. هذه التساؤلات تفرض نفسها حين يكون اسم مطعم محلي باللغة الإنجليزية، وحين يطلق على السوق المركزي اسم باللغة الإنجليزية وحين يطلق اسم باللغة الانجليزية لبرنامج إذاعي محلي يتحدث باللغة العربية والمتلقي عربي!
في حوار ممتع ومفيد جذبني فيه ضيف البرنامج بطرحه العلمي هو الباحث في اللغويات التطبيقية الدكتور بندر الغميز في برنامج الليوان قال "إن الترجمة تواجه صعوبات عند محاولة نقل بعض المفاهيم بذات الحمولة الدلالية والثقافية"، وقال "إن من أمثلة ذلك كلمة (بوليفارد) التي يصعب –حسب تعبيره– ايجاد مقابل لها يحمل المعنى نفسه".
ولعلنا نشارك الرأي ونجتهد تعليقا على ما سبق فنقول إن كلمة بوليفارد في الأساس تعني الشارع العريض ثم تغير استخدامها ليدل على الأنشطة المتنوعة، وبالتالي سنجد في اللغة العربية أن إحدى الكلمات العربية التي تؤدي هذا الغرض هي كلمة فعاليات أو كلمة أنشطة أو متنزه. وماذا عن كلمة مول، أليست تعني السوق المركزي أو المجمع الذي يضم محلات تجارية متنوعة ومطاعم ومقاهي ودور سينما وأنشطة ترفيهية فهل تعجز اللغة العربية عن إيجاد مسمى عربي للمول. وإذا كان الهدف له علاقة بالسياحة فإني أعتقد أن السائح يهمه أن يتعرف على ثقافة البلد ولغته وأن يجرب الأكلات المحلية، السائح القادم من أي بلد لا يريد أن يرى نفسه وإنما يهمه في الغالب أن يتعرف على حياة المجتمعات الأخرى بكل تفاصيلها. أحد الأسئلة ذات العلاقة: هل المعيار في اختيار المسميات لأنشطة محلية هو دلالاتها الأجنبية؟
من هنا تأتي أهمية السياسة الوطنية للغة العربية وأهمية مراجعة المعايير والإجراءات التي بموجبها تعطى التراخيص، وأهمية إجراء دراسات عن تأثير التقنية في مجال التعليم على مستويات الطلاب في اللغة العربية. نحن أمام سياسة واضحة للدولة خاصة باللغة العربية لا بد أن تترجم ميدانيا بتطبيق يرتقي إلى أهمية هذه السياسة لتعزيز وتمكين استخدام اللغة العربية في كافة المجالات كما جاء في السياسة الوطنية.

