: آخر تحديث

لبنان في ضوء النظريَّة البنيويَّة

4
4
4

محزنٌ الوضع اللبناني ومثيرٌ لكثير من الخوف والقلق. غبارٌ كثيف يحجب الواقع الذي يتفاعل فيه انقسامٌ عميق حادّ، لا سبيل لردم هوّته، يتجاذبه رأيان أساسيان لا توفيق بينهما، وبكثير من الشدّة. أما دعاة «الخطّ الثالث»، فحسنتهما الوحيدة خلوّهما النسبي من العنف اللفظي، أما محتواهما فحافلٌ بالتناقضات والالتباسات والمتاهات غير الموصلة إلى مكان، في البحث المستتر، العبثي والمضني، عن حلّ «نصف لبناني، نصف إيراني»، يستحيل صوغه في هذه الحياة الدنيا.

ما وراء هذا الغبار الكثيف؟ لا شكّ في أن النظرية البنيوية هي إحدى أهمّ الأدوات الحديثة لفهم الواقع السوسيولوجي والأنثروبولوجي. فكل بنية مجتمعية تتكوّن وتحيا ثم تندثر، لتقوم مكانها بنية جديدة تتبع بدورها المسار نفسه. فليس هناك من بنية مجتمعية أبدية. والثابتة الوحيدة في المجتمعات هي التحوّل الدائم. وتقوم حيوية البنية على تناقضاتها، بفعل عوامل داخلية وخارجية كثيرة تتمحور أساساً حول تناقضين كبيرين، هما الأطروحة ونقيضها، وهما محرّك البنية. وطالما استطاعت البنية استيعاب التحولات التي تطرأ عليها على مرّ الزمن في حركة الصراع بين الأطروحة والنقيض، فهي تبقى قادرة على ضبط ذاتها وتبقى حيّة ومستمرة. وحين تعجز البنية عن استيعاب التحولات، تسلك طريقها إلى التفكّك، لتنشأ مكانها بنية جديدة. وهكذا دواليك.

كيف يمكن إدراك الواقع اللبناني، في ماضيه وحاضره ومستقبله، في ضوء النظرية البنيوية؟ إذا نظرنا إلى الكيان اللبناني الذي نشأ عام 1861 كبنية مجتمعية (سياسية، اقتصادية، ثقافية...)، وهو كذلك، نجد أن هذه البنية تمحورت تناقضاتها حول الصراع الدائم بين الأطروحة، التي هي المشروع اللبناني التائق إلى أفق حياتي مختلف، ونقيضها الذي هو المشروع الإقليمي في لبنان الهادف إلى إعادة دمجه فيه.

كانت البنية اللبنانية من المتانة والحيوية بحيث استطاعت استيعاب التحولات الداخلية والخارجية الهائلة التي طرأت عليها على مدى 114 عاماً، من 1861 إلى 1975. وبعدها دخلت في طور طويل من التخبّط تجاوز النصف قرن، من 1975 إلى 2026، في مواجهة حادّة بين المشروع اللبناني والمشاريع الإقليمية المتوالية، لم تصل إلى نتيجتها النهائية بعد. هل تنجو البنية اللبنانية بنفسها ويُكتب لها البقاء في نهاية المطاف؟ أم تنهار لتقوم على أنقاضها بنية أخرى، لا ندري تماماً ما هي؟ هذا هو التساؤل الكبير.

منذ نشأتها عام 1861، استطاعت البنية اللبنانية استيعاب تحولات كثيرة، كان أهمها اشتعال الحرب العالمية الأولى عام 1914 وما جرّته وراءها من أهوال مع دخول تركيا الحرب عام 1915 إلى جانب ألمانيا والنمسا، وتعليق الأتراك نظام الحكم الذاتي وفرضهم الأحكام العرفية ورفعهم المشانق، ثم ذلك الحصار الرهيب الذي أباد ثلث سكان جبل لبنان بين عامي 1915 و1918، ثم انتهاء الحرب الكبرى بهزيمة المحور الألماني- النمساوي- التركي، وانهيار الإمبراطورية العثمانية، وزوال المشروع الإقليمي العثماني في لبنان لصالح المشروع اللبناني.

ثم استطاعت البنية اللبنانية، عام 1920، استيعاب «لبنان الكبير» الذي وسّع مداها إلى حدودها الحالية، بما حمله من تحولات جغرافية وديموغرافية ومجتمعية كبرى، في ظلّ الانتداب الفرنسي. فاستوعبت المشروع الإقليمي الجديد الممثّل بمملكة سوريا الفيصلية، ليحُسَم الصراع لصالح المشروع اللبناني نفسه. كما استوعبت الانتقال من الانتداب إلى الاستقلال، واستوعبت حرب 1948 وقيام دولة إسرائيل وتداعياته على لبنان، كما سائر الحروب العربية- الإسرائيلية. كذلك استوعبت المشاريع الإقليمية الوحدوية: «البعثي والناصري والقومي السوري». واستوعبت دخول المقاومة الفلسطينية المسلحة، ومنحها «فتح لاند» في أرض الجنوب اللبناني لتقاتل منها إسرائيل عام 1969، بضغط شعبي طائفي وماركسي- اشتراكي كبير في الداخل، بقيادة جمال عبد الناصر وياسر عرفات.

لكن مع رفع شعار «طريق القدس تمرّ في جونية»، وانطلاق حروب 1975، لم تعد البنية اللبنانية قادرة على استيعاب حقيقي للمشاريع الإقليمية المستجدة، في بحر من الموت والهجرة والدمار، والنزاعات الداخلية الدامية، والاحتلالات الإسرائيلية وأعمال المقاومة، ومرحلة الهيمنة الأسدية الطويلة. ومع أن البنية اللبنانية تخطت المشروع الإقليمي الأسدي، فقد وجدت نفسها أمام المشروع الإقليمي الخميني الرافع شعار تحرير فلسطين من لبنان، وما رافق ذلك كله من انهيار اقتصادي ومالي لا مثيل له، ومن حروب ضارية، ومن هجرة وتهجير مهولين، وصولاً إلى النزاع الأخير بين الدولة اللبنانية و«حزب المحور» الإيراني حول التفاوض المباشر مع إسرائيل... فأي مصير للبنية اللبنانية في مهبّ العاصفة؟ هل تُكتَبُ لها النجاة من جديد بعد 165 عاماً على قيامها، أم تنهار لتقوم مكانها بنية جديدة؟ أي بنية؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد