تمثل الصناعة الدوائية في المفهوم الاستراتيجي الحديث "خط الدفاع الأول" عن استقرار المجتمعات وديمومة نماء الدول، ومن هذا المنطلق الجوهري تقود وزارة الصناعة والثروة المعدنية حراكاً استثنائياً لافتاً لتوطين صناعة الأدوية واللقاحات، محولة التحديات التي فرضتها الأزمات الصحية العالمية وتقلبات سلاسل الإمداد الى فرص حقيقية لبناء استقلال صحي متين وغير مسبوق.
المملكة اليوم لا تكتفي بمجرد إنشاء المصانع او تجميع المكونات، بل تضع يدها بذكاء على "أسرار التقنية" العميقة عبر نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا الحيوية، لضمان وجود قاعدة وطنية صلبة في توفير الدواء وتأمين حياة الأجيال.
ويعد قرار تحديد 200 دواء نوعي كأولوية وطنية قصوى، والبدء الفعلي في تصنيع 42 دواء منها بأيد وخبرات محلية، بمثابة وثيقة إعلان رسمية عن دخول المملكة ناديا دوليا ضيقا من الدول التي تمتلك قرارها الصحي وقدرتها الذاتية على مواجهة الأزمات. فقد أثبتت المتابعات الميدانية لجهود الوزارة في توطين الصناعة أن التكامل العضوي بين المنظومة الحكومية والقطاع الخاص قد أثمر عن قفزة هائلة في عدد المصانع المحلية، ما ساهم بشكل مباشر في تعظيم المحتوى المحلي وفتح آفاق وظيفية وبحثية وابتكارية واسعة أمام الكوادر الوطنية الشابة، التي باتت اليوم تقود معامل الأبحاث وخطوط الإنتاج بأعلى معايير الجودة العالمية.
لم يتوقف الطموح السعودي في هذا الملف الحيوي عند حدود الأدوية التقليدية، بل امتد ليشمل "اللقاحات الحيوية" ذات الحساسية العالية والتعقيد التقني، وهو ما جسدته بوضوح الزيارات الدولية الأخيرة لوزير الصناعة والمباحثات الاستراتيجية مع عمالقة الصناعة الدوائية في العالم. هذا التوجه المدروس يضمن للمملكة مكانا طبيعيا في صدارة مراكز الإنتاج الطبي الحيوي على مستوى المنطقة والعالم، ويؤكد للقاصي والداني ان الحصانة الصحية الحقيقية ليست مجرد مخزون من الأدوية في المستودعات، بل هي قدرة تصنيعية وابتكارية تجعل من المملكة منصة إقليمية رائدة، ومختبرا عالميا لإنتاج الحلول الطبية المستقبلية.
إننا أمام مرحلة تاريخية فارقة من مراحل البناء الوطني الشامل، حيث يلتقي التخطيط الاستراتيجي السليم بدعم القيادة اللامحدود، ليثمر في نهاية المطاف مجتمعاً محمياً بمنظومة دوائية وطنية منيعة، واقتصاداً صناعياً جباراً يرتكز على المعرفة والابتكار والقوة، لتظل المملكة دائماً وأبداً عنواناً للاستدامة والريادة والنمو المستقر الذي لا تهزه العواصف العالمية.

