في يوم الثلاثاء الماضي، وبينما كان الإيرانيون يُحيون مراسم الحداد بمناسبة مرور 40 يوماً على مقتل آلاف المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد، وُزّعَ منشور سري «ساميزدات» في مدينة «قُم»، التي تُعد المعقل الحصين لرجال الدين الإيرانيين. وقد تضمن المنشور، المؤلف من صفحة واحدة، مقاطع من قصيدة للشاعر الفارسي «سنائي»، الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، وهي قصيدة هجائية ساخرة من أدعياء الدين.
ومما يثير الدهشة أنه رغم الانتشار الأمني غير المسبوق، لم تُبذل أي محاولة لمنع توزيع هذا المنشور. فهل أرادت السلطات توجيه رسالة معينة إلى من التزموا الصمت طوال الأسابيع الأكثر اضطراباً في تاريخ الجمهورية المحاصرة بالأزمات؟
لقد كانت التوقعات تشير إلى أن بعض رجال الدين سيواصلون فعل ما دأبوا عليه طيلة نصف قرن من الزمان؛ أي العمل كـ«صدى صوت» للرواية الرسمية للأحداث المأساوية.
بيد أن مؤشراً برز في اليوم ذاته يوحي بأن هذا الهجوم حظي بـ«ضوء أخضر» من السلطات نفسها؛ وتمثل ذلك في صحيفة «جمهوري إسلامي» الرسمية، التي أسسها ويمتلكها المرشد علي خامنئي منذ عام 1979.
ففي افتتاحيتها، اتهمت الصحيفة رجال دين بفقدان الصلة مع «المجتمع الحقيقي» والاستسلام لإغراءات «المادة». وزعمت الافتتاحية أنه «بدلاً من العيش في غرف الحوزة (المدرسة الدينية) الضيقة، باتوا يقطنون مساكن فاخرة، ويستمتعون بأفضل ما تقدمه الحياة الدنيا من إمكانات».
كما كشفت الافتتاحية أن الفيلات الراقية والشقق الفاخرة التي يسكنها بعض رجال الدين، تعود ملكيتها نظرياً إلى «مؤسسات» و«جمعيات خيرية» و«مراكز بحثية» يترأسونها وتمولها الدولة. ونقلت الافتتاحية عن رجل دين لم تذكر اسمه قوله مخاطباً أقرانه: «لقد أعطوكم المال لتبنوا مدرسة، لكنكم بنيتم لأنفسكم قصراً!».
وتتحسر الافتتاحية على «الزمن الذي كانت فيه حياة رجال الدين تقوم على التقوى والزهد والقناعة والتواضع»؛ وتؤكد أنه «في تلك الأيام، كان كبار رجال الدين يترفعون عن ألقاب مثل (آية الله)، ويذيلون توقيعاتهم بلقب (الأحقر)، وهو مصطلح عربي يعني الأكثر تواضعاً».
بل إن بعض كبار رجال الدين، من أمثال عبد الكريم حائري من ميبود، الذي كان يُعد المرجع الأعلى في زمانه، أصروا على ألا تحمل شواهد قبورهم المتواضعة أي ألقاب تشريفية. أما اليوم، فبات كل «مُلّا» في أصغر القرى يصر على أن يُخصص له ضريح فاخر، إن لم يكن مزاراً كاملاً مكسواً بالخزف والمرايا.
وتزعم افتتاحية الصحيفة الرسمية أن هناك من فقدوا الرابط الذي كان يجمعهم بجموع المؤمنين؛ نظراً لاعتمادهم الحالي على تمويل الحكومة، وعطاياها، والمناصب ذات الرواتب الكبيرة، والامتيازات. ونتيجة لذلك، وبدلاً من الاهتمام بالقضايا التي تمس أسس المجتمع، انصبّ تركيزهم على «الشكليات»، كالتساؤل عن سبب تساهل الحكومة مع بعض النساء في مسألة «الحجاب»، أو لماذا تلجأ البنوك إلى الحيل للالتفاف على حظر «الفوائد».
وتختتم الصحيفة نفسها مقالها باقتباس للإمام محمد الغزالي، الفقيه الفارسي الكبير من القرن الثاني عشر الميلادي، الذي هجا بدوره رجال الدين في عصره لانحرافهم عن «الصراط المستقيم».
وبعد يوم واحد من تلك الافتتاحية المفاجئة، جاء الدور على وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» لنشر مقابلة مطولة مع آية الله مجيد أنصاري، وهو رجل دين رفيع المستوى في «الحرس الثوري» ومستشار رئاسي حالي؛ اتهم فيها رجال الدين بـ«إحلال آرائهم الشخصية محل الدين»، ما أدى إلى نفور الرأي العام. وصرّح قائلاً: «علينا الكف عن فرض أهوائنا على المجتمع، ولا سيما جيل الشباب. فالناس، ولا سيما الشباب، يتطلعون للعيش بحياة طبيعية، وسيقاومون أي عائق قد نقيمه أمامهم».
ويؤكد حسن خلخالي، الخبير البارز في «شؤون الحوزات العلمية»، نشوء «نوع من الجفاء بين رجال الدين وجمهور الشعب للمرة الأولى منذ 5 قرون، أي منذ اعتناق إيران للمذهب الشيعي». ويشير خلخالي إلى أن بعض رجال الدين باتوا الآن «يشعرون بعدم الأمان عند الظهور بالزي التقليدي والعمامة»، ما يدفعهم لارتداء سراويل «الجينز» وقبعات «كرة السلة» في الأماكن العامة.
كما كشف خلخالي - وهو نجل أحد كبار علماء الدين في إيران - أن بعض رجال الدين شرعوا في مغادرة البلاد، متوجهين غالباً لبدء حياة جديدة في العراق؛ فخلال العام الماضي وحده، انتقل أكثر من 3000 منهم إلى النجف وكربلاء.
فما الذي يمكن استخلاصه من هذا النقد الذي يبدو أنه يحظى بمباركة رسمية، إن لم يكن منظماً بالفعل؟ ولماذا يسمح نظامٌ تأسس حول فكرة «حكم رجال الدين» بمثل هذا الهجوم العنيف على جوهره؟
ليست لدينا إجابة قاطعة؛ لأن منظومة رجال الدين في إيران اليوم تتألف من طبقات متعددة. إذ تشير أكثر الأرقام موثوقية إلى أن عددهم يبلغ قرابة 300 ألف، من بينهم نحو 70 ألف طالب حوزة علمية، وثلثهم وافدون من 30 دولة أجنبية. أما الذين يشغلون مناصب حكومية أو شبه رسمية، فيصل عددهم إلى نحو 50 ألفاً.
وهناك 20 ألفاً آخرون يتقاضون رواتبهم من الدولة عبر «مؤسسات» و«جمعيات خيرية» و«مراكز بحثية» يرأسونها. كما يتلقى نحو 100 ألف مساعدات حكومية من خلال «الرابطة الوطنية للمساجد»، التي تُدير ما يُقدر بنحو 80 ألف مسجد، و7000 ضريح لرجال ونساء من أهل الدين.
وبذلك يتبقى ما بين 50 إلى 60 ألف رجل دين يعتمدون نظرياً على «التمويل الذاتي». ومع ذلك، يفيد خلخالي بأن كثيرين منهم يمتلكون شركات يديرها أقاربهم أو أصهارهم، وغالباً ما يستفيدون من عقود حكومية دسمة، وعطايا مجزية، وهدايا سخية في المناسبات والأعياد. بل إن أحد «الآيات العظام» يمتلك ما لا يقل عن 157 شركة تعمل في مجالات الاستيراد والتصدير، والضيافة، والتعدين، وخدمات السفر والسياحة.
قبل ثورة عام 1979، كانت منظومة رجال الدين مستقلة بشكل كبير عن تمويل الدولة؛ ففي عام 1977، قُدّر إجمالي «العطايا» الحكومية لنحو 12 من كبار «الآيات» في قُم وطهران ومشهد بنحو 3 ملايين دولار فقط. فقد كان رجال الدين يعتمدون على التبرعات الطوعية من مئات الآلاف من المؤمنين في إيران وخارجها، ممن كانوا ينظرون إلى هذه المنظومة الدينية باعتباره همزة وصل -إن لم تكن ثقلاً موازناً- في مواجهة السلطات الدنيوية «الزمنية». وقد خلق ذلك نوعاً من التوازن، حيث تعاون رجال الدين والحكومة ضمن حدود معينة، مع بقائهم على دراية بمناطق الخلاف المحتملة.
لقد سعى الخميني إلى إيجاد «حلٍّ مثالي» حاول من خلاله دمج «العمامة الدينية» بـ«القبعة العسكرية». أما اليوم، فقد تبخرت التبرعات الطوعية، ما جعل رجال الدين مرتهنين لسلطة علمانية تستخدم مفردات دينية.
لقد وفرت الأحداث المأساوية التي شهدها الشهر الماضي فرصة لرجال الدين لإعادة تأكيد «تمايزهم» عبر التزام الصمت؛ فلم يباركوا الاحتجاجات ولم يدينوها كما اشتهت السلطات الحاكمة.
لذا، فإن الموجة الحالية من الهجمات على رجال الدين قد تكون صادرة عن «الدولة العميقة»، بما في ذلك «الحرس الثوري» الإيراني، الذي ربما يكون بصدد التخطيط لترتيبات مرحلة ما بعد خامنئي.

