: آخر تحديث

كتّاب الرأي.. أبطال خارقون بلا رواتب

3
4
3

في كل يوم، يجلس مئات الكتّاب أمام شاشاتهم، يُفكّرون ويبحثون ويصوغون أفكارهم في مقالات تُنشر في صحف ومواقع إلكترونية تزداد إيراداتها وزوّارها، بينما يغادر الكاتب الصفحة بلا مقابل. وحين تجمع هذه الأرقام الصامتة وتضعها في ميزان واحد، تكتشف أن كتّاب الرأي في المملكة يتنازلون طوعًا أو قسرًا عن محتوى تبلغ قيمته سبعة وثلاثين مليون ريال سنويًا، تذهب إلى خزائن المؤسسات الإعلامية دون أن يُسمع لها صوت، ودون أن يرفّ لها جفن. فهل هذا تفانٍ في خدمة الكلمة؟ أم أن ثمة حقًا مسلوبًا اعتاد أصحابه السكوت عنه حتى ظنّوه قدرًا؟

ولأن الأمر يحتاج إلى بعض الشاعرية حتى يُفهم، دعني أصفه لك بطريقة أخرى. العلاقة بين الكاتب والصحيفة هي في جوهرها قصة حب، نعم حب بكل معنى الكلمة، يقع فيها الكاتب أولًا، يُرسل مقاله كمن يرسل وردة، يتزيّن بأفضل كلماته، ويُعلن مشاعره على الملأ. أما الصحيفة فتستقبل هذا الحب بابتسامة دافئة، تنشر المقال في الصفحة الأولى أو الأخيرة حسب المزاج، ثم تعود إلى شؤونها. وفي يوم الفالنتاين تحديدًا، حين يُهدي العشاق بعضهم الورود والهدايا، يجلس الكاتب ويُهدي صحيفته مقالًا دسمًا من القلب، فترد عليه الصحيفة بما اعتاد عليه: صمتٌ مُعطّر بالامتنان، وعلامة نشر خضراء.

الحسابات بسيطة ومؤلمة في آنٍ واحد. تُنشر يوميًا في المواقع الإخبارية السعودية ما يقارب ثلاثمائة مقال رأي، و98 بالمئة من أصحابها لا يتلقون فلسًا واحدًا. لو قدّرنا قيمة المقال الواحد بثلاثمائة وخمسين ريالًا فقط، وهو رقم رمزي لا يعكس الجهد الحقيقي، فإن ما يُهبه الكتّاب يوميًا يبلغ نحو مائة وألفي ريال، وشهريًا يتجاوز ثلاثة ملايين ريال، وفي نهاية العام تجد أمامك رقمًا صادمًا يتخطى سبعة وثلاثين مليون ريال. سبعة وثلاثون مليون ريال قدّمها الكتّاب طوعًا لمؤسسات تملك إدارات وميزانيات ومحاسبين يعرفون قيمة كل ريال، إلا الريال الذي يستحقه الكاتب.

والعالم من حولنا يسير في اتجاه مختلف تمامًا. لو أخذت مقالك نفسه وأرسلته إلى صحيفة نيويورك تايمز، لتلقيت مقابله ما يعادل ألفين وثمانمائة ريال، أي ثمانية أضعاف ما تحصل عليه هنا في أحسن الأحوال. أما واشنطن بوست فتدفع ما يعادل ألفًا وثمانمائة ريال للمقال الواحد، وول ستريت جورنال لا تقل عن ألف وخمسمائة ريال. وفي بريطانيا تحسب صحيفة فايننشال تايمز مكافأة كاتبها بالكلمة لا بالمقال، لأنها تؤمن أن كل كلمة تساوي، وهو مبدأ فلسفي عميق لم يصلنا بعد. بل إن الكتّاب المتعاقدين مع الصحف الكبرى هناك يتقاضون رواتب سنوية تصل إلى ثلاثمائة وخمسين ألف دولار، لأن تلك المؤسسات تؤمن بأن الفكر سلعة لها ثمن، وأن الكاتب شريك لا ضيف كريم يُكرَّم بالنشر.

فلماذا يصمت الكتّاب إذن؟ ثمة أسباب يعرفها الجميع ولا يجهر بها أحد. بعضهم يكتب طمعًا في الحضور والمكانة، مؤمنًا أن اسمه فوق المقال يساوي أكثر من أي مكافأة، وهو وهمٌ جميل يُتقن الكتّاب تربية أنفسهم عليه. وبعضهم يخشى أن المطالبة بالحق ستُغلق أمامه الأبواب، فيبقى صامتًا كمن يعيش في بيت يعرف أن سقفه مُشقوق لكنه يخشى أن يقول ذلك فيُطرد منه. وآخرون يؤمنون بصدق أن الكتابة رسالة لا تجارة، وهذا حق، لكن الرسل أيضًا كانوا يأكلون. والمفارقة الكبرى أن هذه المؤسسات ذاتها لا تتردد في إرسال فواتيرها إلى المعلنين بكل دقة واحترافية، وتحصّل عائداتها من كل إعلان ينشر بجوار مقال لم تدفع عنه ريالًا واحدًا، فكأن المعادلة واضحة لكل أطرافها إلا طرفًا واحدًا.

لا أحد يطالب بأن يصبح كتّاب الرأي أثرياء من مقالاتهم، لكن ثمة فرقًا بين الكتابة هبةً مُختارة، وبين أن تتحول الهبة إلى توقّع دائم تُبنى عليه ميزانيات وإيرادات. سبعة وثلاثون مليون ريال ليست مجرد أرقام جافة، إنها قيمة عقول سهرت، وأوقات أُنفقت، وأفكار صِيغت بعناية فائقة، قدّمها أناس يستحقون على أقل تقدير شكرًا صادقًا، وتقديرًا حقيقيًا، ومكافأة تليق بقلمٍ لا يتوقف عن العطاء حتى حين لا يجد ما يأكله.

ولأن الكلام بالأرقام أصدق من الكلام بالمشاعر، دعني أضع نفسي في المشهد. أنا شخصيًا أكتب منذ عشرين عامًا، مقالًا أسبوعيًا لثمانية عشر عامًا، ثم ثلاث مقالات أسبوعيًا في السنتين الأخيرتين، ليبلغ مجموع ما كتبت ألفًا ومائتين وثمانية وأربعين مقالًا. وحين جلست أحسب ما كان يمكن أن أتقاضاه لو كنت أكتب في واشنطن بوست أو نيويورك تايمز، وجدت أن عائداتي كانت ستتراوح بين مليوني ريال وثلاثة ملايين ونصف. لا أقول هذا شكوى ولا مطالبة، بل أقوله كمن يضع رقمًا على الطاولة بكل هدوء، ليس ليُحرج أحدًا، بل ليقول إن الكلمة تستحق أن تُحترم.

الكاتب الحقيقي لا يكتب لأنه مضطر، ولا يتوقف لأنه لم يُكافأ، يكتب لأن الكتابة جزء من تركيبته، لكن هذا لا يعني أن قيمته تقل أو أن جهده لا يُحسب. سبعة وثلاثون مليون ريال ليست رقمًا للبكاء عليه، بل هو رقم يستحق أن يدفع المؤسسات الإعلامية للتفكير بجدية في علاقتها مع كتّابها، علاقة تليق بالطرفين، وتُعبّر عن شراكة حقيقية لا عن ضيافة مفتوحة بلا حساب.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.