: آخر تحديث

الهبوط الأخير… بداية الحياة

3
2
3

في صباحٍ خريفي هادئ، أقلعت طائرة من مطارٍ صغير، وعلى متنها رجل في التاسعة والستين من عمره. لم تكن رحلة عمل، ولا زيارة عائلية، بل كانت رحلته الأخيرة كقائدٍ لهذه الطائرة. بعد عقودٍ من الالتزام بالجداول الصارمة، ومراقبة لوحات القيادة، وتحمل مسؤولية مئات الأرواح، كان الكابتن يستعد للهبوط الأخير، ليس على مدرج مطار، بل على أرض جديدة كليًا: أرض التقاعد.

ربما شاهد البعض هذا المشهد المؤثر الذي انتشر مؤخرًا: رجل يخلع بزته للمرة الأخيرة، ويغادر قمرة القيادة نحو صالة هادئة. بدا المكان فارغًا، لكن داخله لم يكن كذلك. كان ممتلئًا بمزيج من الحنين والتحرر.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي:

أين تسكن السعادة بعد أن ينتهي الدور الذي عرّفنا طويلًا؟

قال الكابتن في كلماته الوداعية:

"كانت هذه رحلتي الأخيرة في عمر 69، وأخيرًا تعلمت أين تعيش السعادة".

جملة قصيرة، لكنها تكشف حقيقة عميقة:

السعادة التي نطاردها في الإنجاز، والمناصب، والرحلات البعيدة، قد لا تكون في القمم التي نصل إليها، بل في المساحة التي نستعيد فيها أنفسنا.

التقاعد: انتقال لا نهاية
التقاعد ليس توقفًا عن العمل فحسب، بل انتقال من دور مفروض إلى حياة مختارة.

طوال سنوات العمل، نُعرّف بألقابنا:

الطيار، المهندس، المدير، الأستاذ.

لكن عندما تنتهي هذه الألقاب، لا ينتهي الإنسان.

بل يبدأ السؤال الأهم:

من أنا، خارج الوظيفة؟

هنا، لا يفقد الإنسان وقته فقط، بل تعريفه لنفسه، ما لم يُعد بناءه من جديد.

كيف تبدأ الحياة بعد التقاعد؟
1. إعادة اكتشاف الذات

بعد التقاعد، لا تعود ما كنت تؤديه، بل ما تحب أن تكونه.

تعود الأحلام المؤجلة، والهوايات المنسية، والعلاقات التي انتظرت وقتك طويلًا.

2. استعادة حق المتعة

لأول مرة، يصبح الوقت ملكًا لك.

فوق كنبتك الخاصة التي ترتاح فيها، استمتع بقراءة كتاب مؤجل، مشاهدة فيلم قديم، جلسة هادئة بلا التزام، ليست تفاصيل صغيرة، بل استعادة لحقك في العيش دون جدول مفروض.

3. ملء الفراغ بالمعنى

الفراغ ليس عدوًا، بل مساحة.

قد يملؤها سفر، أو عمل تطوعي، أو تعلم جديد، أو وقت أطول مع الأحفاد والأصدقاء، أو الجلوس مع نفسك.

المهم ألا تُترك فارغة، بل تُملأ بما يمنح الحياة طعمها.

ما بعد الخوف
نعم، قد يبدو التقاعد مخيفًا في البداية.

الخوف من الفراغ،

من فقدان المكانة،

من الصمت بعد ضجيج الإنجاز.

لكن الحقيقة التي أدركها ذلك الكابتن وهو يبتسم في ختام رحلته:

لم يكن الهبوط نهاية الطيران،

بل نهاية المسار المفروض،

وبداية المسار الذي يختاره الإنسان بنفسه.

ختامًا
في تجربتي الشخصية، وجدت في التقاعد راحة نفسية عظيمة، مشابهة لتلك التي عبر عنها الأستاذ ثروت الخرباوي بعد خروجه من جماعة الإخوان المسلمين، حين تحدث عن الراحة النفسية التي انتابته بعد تركه الجماعة. فالتقاعد، مثله، كان خروجًا من رِقِّ الوظيفة إلى فُسحةِ الحرية، وحالةً من السكينة والسلام الداخلي لا تُقدَّر بثمن، حتى لو اضطربت الدنيا من حولك.

حينها فقط، تكتشف أن السعادة لم تكن في الوجهات التي وصل إليها، بل في الرحلة التي تلوح في الأفق بعد أن تصبح أنت قائد سفينة روحك بلا مسار إجباري.

وأختتمُ بكلماتي في "#نافذة" (25 فبراير 2016)، والتي ما زالت تعبّر عن قناعتي الراسخة:

"لا تسألني عن التقاعد، جرّبه أنت، ثم اسأل روحك"!.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.