سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة بوابة واسعة على الذاكرة، والقلق، والأمل، والتكرار الغريب الذي تمارسه الأيام على البشر. جيل الستينات لم يكن مجرد فئة عمرية؛ كان حالة وجود. خرج من رحم عالم يتغير بعنف: حروب كبرى تركت رمادها في النفوس، وأنظمة تتشكل، وأحلام جماعية تُصاغ بلغة عالية النبرة. كان جيلًا يؤمن أن العالم قابل لإعادة الكتابة، وأن الشارع يمكن أن يهزم القصر، وأن الكلمة قد تسبق الرصاصة. كانوا يحلمون بصوت عالٍ، ويختلفون بعنف، ويؤمنون بسذاجة نبيلة أن الغد سيكون بالضرورة أفضل لأنهم أرادوه كذلك.
اليوم، يبدو هذا الجيل الجديد وكأنه يقف في المرآة ذاتها، لكن الصورة مشوشة. لا توجد حرب عالمية واحدة، بل حروب صغيرة لا تنتهي. لا يوجد عدو واضح، بل منظومة كاملة تتسلل بهدوء إلى التفاصيل اليومية: في الهاتف، في الخوارزميات، في القلق المزمن، في الشعور بأن الوقت يركض أسرع من القدرة على الفهم. هذا الجيل لا يصرخ كثيرًا، لكنه ينهك من الداخل. لا يكتب البيانات الطويلة، بل يختصر ألمه في جملة، أو صورة، أو صمت.
جيل الستينيَّات كان يؤمن بالجماعة؛ هذا الجيل يؤمن بذاته مضطرًا. الفرد هنا ليس خيارًا فلسفيًا، بل نتيجة حتمية. كل واحد يحمل معركته وحده، ويدير خساراته بصمت، ويتعلم كيف يبتسم بينما يتآكل ببطء. ومع ذلك، لا يزال الحلم موجودًا، لكنه أكثر حذرًا، أقل رومانسية، وأكثر تشكيكًا في كل شيء، حتى في نفسه.
التشابه الحقيقي لا يكمن في الأدوات ولا في اللغة، بل في الإحساس العميق بالاختناق. ذاك الجيل شعر أن العالم القديم لا يمثله، وهذا الجيل يشعر أن العالم كله لا يشبهه. كلاهما وُضع أمام أنظمة صلبة، وطُلب منه أن يتكيف دون أن يُسأل إن كان يريد أصلًا. وكلاهما حاول، كل بطريقته، أن يعيد تعريف المعنى، والحرية، والنجاح.
لكن الفارق الجوهري أن جيل الستينات كان يعتقد أن التغيير مسألة وقت، بينما هذا الجيل يخشى أن يكون التغيير مجرد وهم جميل نؤجل به الانهيار. جيل الستينات خرج إلى الشارع ليُرى، وهذا الجيل ينسحب إلى الداخل ليبقى على قيد الحياة. الأول كان ثوريًا في العلن، والثاني ثوري في صمته، في انسحابه، في رفضه غير المعلن لقواعد لم يشارك في صياغتها.
ربما لا يشبه هذا الجيل جيل الستينيات في الشكل، ولا في الإيقاع، ولا في الخطاب. لكنه يشبهه في تلك اللحظة الحرجة التي يشعر فيها الإنسان أنه وُلد في زمن لا ينتظره، ومع ذلك يُطلب منه أن ينقذه. يشبهه في ذلك السؤال الخفي الذي لا يتغير مهما تبدلت العقود: هل نحن ضائعون أم أننا فقط أول من يرى الحقيقة بلا زينة؟
حسنًا، لنذهب أبعد، إلى العمق الذي لا يُقال عادة. إذا واصلنا الحفر، سنكتشف أن التشابه بين الجيلين ليس حدثًا تاريخيًا، بل قدرًا يتكرر كلما وصلت البشرية إلى نقطة إنهاك. جيل الستينيات وُلد وهو يحمل وعود ما بعد الحرب، ثم اكتشف أن تلك الوعود لم تكن له. وهذا الجيل وُلد وسط شعارات التقدم والانفتاح والحرية، ثم اكتشف أن كل شيء كان مشروطًا، مراقَبًا، ومؤجلًا إلى إشعار آخر.
جيل الستينيات كان يرى السلطة وجهًا لوجه: رجلًا ببدلة، خطابًا رسميًا، دبابة في الشارع. أما هذا الجيل فيواجه سلطة بلا ملامح؛ سلطة ناعمة، ذكية، لا تقمعك مباشرة، بل تُتعبك حتى تتخلى وحدك. تُقنعك أنك حر بينما تضيق خياراتك، وأنك مميز بينما يتم نسخك ألف مرة، وأنك قادر على كل شيء بينما بالكاد تستطيع الاحتمال.
كان جيل الستينيات يثور لأنه يؤمن بالمعنى. وهذا الجيل يتألم لأنه يبحث عنه. الأول كان يسأل: كيف نغيّر العالم؟
والثاني يسأل، بصوت أخفض وأكثر وجعًا: لماذا لا أشعر أنني أنتمي إليه؟
حتى الفشل كان مختلفًا. فشل جيل الستينيات كان جماعيًا، صاخبًا، يُناقش في الكتب والمقاهي والندوات. أما فشل هذا الجيل فهو فردي، صامت، يُدفن في الليالي الطويلة، في الأرق، في نوبات القلق، في ذلك الإحساس الغامض بأنك متأخر دائمًا عن حياتك.
ومع ذلك، وهنا المفارقة، هذا الجيل ليس أقل شجاعة. شجاعته فقط غير مرئية. شجاعة أن تستيقظ كل يوم وتكمل بالرغم من فقدان البوصلة. شجاعة أن تعترف بالهشاشة في عالم يقدّس القوة. شجاعة أن ترفض النجاح بالشكل الذي يُفرض عليك، حتى لو لم تعرف بعد شكله البديل.

