ما زال النظام العشائري، في سوريا بصورة عامة، الرّقة، وفي المنطقة الشرقية، على وجه التحقيق، يسير بيننا كظلٍّ قديم، يرافق خطواتنا حتى ونحن نعلن انتماءنا إلى دولة حديثة، تقوم ـ في ظاهرها ـ على القانون والمساواة. هو ليس مجرد بقايا من الماضي، بل بنية نفسية واجتماعية متجذّرة، تتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، إلى لغتنا، وانفعالاتنا، واختياراتنا، وحتى إلى خوفنا الخفيّ من العزلة. ومن هنا، لا يعود السؤال ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية: هل يمكن إصلاح هذا النظام وتطويره، أم أنَّ الوقت قد حان لتجاوزه بالكامل؟
إنَّ وجود بنية عشائرية فضفاضة داخل دولة يُفترض أنها تُحكم بالقانون وحده، يضعنا أمام تناقض عميق. فالدولة الحديثة تعد الفرد بوصفه مواطنًا، لا تابعًا لاسمٍ أو نسب. غير أن العشيرة تمنحه شعورًا بالدفء والانتماء والحماية، حين تعجز المؤسسات عن أداء دورها.
هنا تتكشّف الأزمة الحقيقية: ليست أزمة عشيرة فحسب، بل أزمة ثقة بين الإنسان والدولة. فحين يلوذ الفرد بعشيرته، فإنه لا يعلن تمرّده على القانون بقدر ما يعلن خوفه من هشاشته.
لكن هل بقيت العشيرة على صورتها الأولى، حاضنةً للقيم والنجدة والتكافل؟ أم أنها تحوّلت ـ في بعض تجلياتها ـ إلى تكتلٍ ظرفيّ، لا يظهر إلا عند النزاعات، ويختفي عند البناء والإصلاح؟ وهل ما زال لشيوخ العشائر مقام الحكمة ووقار الكلمة، أم أن الزعامة باتت تُورَّث كما تُورَّث الأملاك، أو تُفرض بقوة النفوذ لا بقوة الرأي؟
إن سؤال القيادة هنا ليس إداريًا فحسب، بل أخلاقيّ؛ لأن الشيخ ـ إن لم يكن عادلاً ومنصفًا وحكيمًا في قراراته ـ تحوّل من صمّام أمان إلى وقودٍ للانقسام.
إنَّ التعصّب العشائري لا يمزّق فقط نسيج البلدة الواحدة، بل يُفتت الروابط الإنسانية الأعمق. كيف يمكن لجارٍ يشاركك خبزك اليوميّ وأحزانك الصغيرة أن يصبح أقل قربًا من ابن عمٍّ يقطن في مدينة بعيدة، لم يجمعك به سوى الاسم؟ وأيّ رابطة أولى بالرعاية: رابطة الدم المجرّدة، أم رابطة المعايشة اليومية التي تصنعها التجربة والمشاركة؟
حين تُقدَّم الهوية العشائرية على الهوية المجتمعية، يصبح المجتمع فسيفساء هشّة، قابلة للتشقق عند أول اختبار.
ولعلّ أخطر ما في الأمر أن تتحول العشيرة إلى مظلّة تحمي الفاسد أو المجرم، لا لأن فعله يُستحسن، بل لأن انتماءَه يفرض الحرج.
هنا يُختبر ضمير الفرد: هل يستطيع أن ينتقد خطأً واضحًا إذا كان مرتكبه من عشيرة أخرى؟ أم أن الحساسيات تُكمّم الأفواه، فيسكت العدل خجلاً من الاصطدام؟ إن العدالة التي تُقاس بميزان الانتماء لا تبني دولة، بل تعمّق شعورًا عامًا باللا يقين.
ويزداد المشهد تعقيدًا حين تتحول العشائر إلى "ملف" داخل الدولة، يُخصَّص له مستشارون ومناصب. أهو اعتراف بدور اجتماعي يجب تنظيمه واحترامه؟ أم إقرار ضمني بأن القانون لم ينجح بعد في أن يكون المرجع الوحيد؟
إنَّ الدولة التي تضطر إلى مهادنة البُنى الموازية، إنما تكشف عن فجوة لم تُردم بعد بين النصّ والتطبيق، بين المثال والواقع.
غير أن تجاوز العشيرة بالكامل ليس حلاً سحريًا. فالهويات لا تُمحى بقرار، والانتماءات لا تُستأصل بخطاب. الإصلاح ـ إن كان ممكنًا ـ يبدأ بتحرير العشيرة من نزعتها العصبية، وإعادتها إلى دورها القيميّ: التكافل، والإصلاح، وحفظ السلم الأهلي، لا فرض الهيمنة أو تعطيل القانون. أما إذا تعذّر ذلك، وبقي الاسم ستارًا يحتمي خلفه الخطأ، فإن التمسّك به يصبح عبئًا على الضمير الجمعي.
إنَّ الإنسان الواعي مُطالب بأن يُواجه نفسه قبل أن يُواجه مجتمعه. أن يسأل: هل انتمائي يُعزّز إنسانيتي أم يختزلها؟ هل أنا جزء من عشيرة تحفظ القيم وتسمو بها، أم من عصبةٍ تحتمي بالاسم وتفرّط بالمعنى؟
في الإجابة الصادقة يكمن مفتاح التحوّل؛ فالمجتمعات لا تتغير حين تتبدل الشعارات، بل حين ينضج وعي أفرادها، ويختارون أن يكون القانون والعدالة أسمى من كل رابطة، وأن تكون الكرامة الإنسانية هي العشيرة الكبرى التي ننتمي إليها جميعًا.


