: آخر تحديث

رمضان... مدرسة زمنية

3
3
3

رمضان ليس شهراً يُضاف إلى التقويم، بل تجربة زمنية مختلفة، يعيد فيها الإنسان اكتشاف علاقته بالوقت بعيداً عن ضجيج السرعة ووهم الإنجاز المتلاحق. في هذا الشهر، لا يُطلب منا أن نسبق الزمن، بل أن نفهمه، ولا أن نطارده، بل أن نصادقه. وهنا تتبدّل الفكرة السائدة، بأن إدارة الوقت ليست سباقاً نُكافأ فيه على اللهاث، بل فنٌّ رفيع قائم على تقدير اللحظة ومنحها حقّها الكامل من الحضور.

فنصل إلى رمضان مثقلين بعادة الركض. نركض خلف الأعمال، والمواعيد، والطموحات، وحتى خلف أحلامنا. فاعتدنا أن نقيس أيامنا بعدد ما أُنجز، لا بعمق ما عِشنا. فجاء رمضان ليكسر هذه الدائرة، ويضع أمامنا سؤالاً صامتاً لكنه حاد: ماذا لو لم تكن المشكلة في ضيق الوقت، بل في طريقة عيشنا له؟

ففي أيام الصيام، يتباطأ الإيقاع اليومي، وكأن الزمن نفسه يهدأ احتراماً لهذه الحالة الإنسانية الخاصة، حيث يقل الضجيج، وتخف الحركة، لكن في المقابل يتكثّف المعنى. فنكتشف أن الساعات لا تفقد قيمتها حين تقلّ السرعة، بل تستعيد معناها الحقيقي. فدقيقة صادقة مع النفس، أو لحظة صفاء في دعاء، قد تُعيد ترتيب الأعماق أكثر مما تفعل ساعات طويلة من الانشغال المتعب.

فشهر رمضان يدرّبنا على فنّ التوقّف الواعي، حيث نتعلّم أن الصمت ليس فراغاً، وأن الانتظار ليس تعطيلًا، وأن التمهّل قد يكون أعمق أثراً من العجلة. ففي الصيام، نفهم أن السيطرة على الوقت لا تعني ملأه، بل اختيار ما يستحق أن نسكنه. فليس كل حركة تقدّماً، ولا كل توقف تراجعاً، بل إن بعض التوقفات هي التي تعيدنا إلى المسار الصحيح.

ويساعد هذا التحوّل في فهم الزمن، حيث ينعكس بهدوء على علاقتنا بأنفسنا. فنصبح أكثر لطفاً مع أخطائنا، وأقل قسوة في محاسبة الذات، وأكثر وعياً بحدود طاقتنا. فلم نعد مطالبين بأن نكون في كل مكان، ولا أن نُرضي كل التوقعات. يكفينا أن نكون حاضرين حيث يجب، بوعيٍ صادق، وقلبٍ مطمئن.

ويمتد هذا الأثر إلى علاقتنا بالآخرين. حين نتحرّر من استعجال الوقت، فنُصغي أكثر، ونحكم أقل، ونفهم قبل أن نُقيّم. فيقل التوتر في الحوار، وتقل حدّة الأحكام، لأننا لم نعد نعيش تحت ضغط اللحاق الدائم. ففنّ تقدير اللحظة يجعلنا أكثر رحمةً، وأكثر إنصافاً، وأكثر قدرةً على رؤية الإنسان لا الجدول.

فرمضان، بهذا المعنى، ليس موسم عبادة فحسب، بل مدرسة زمنية. يعلّمنا أن النجاح ليس في كثرة المهام، بل في جودة الحضور، وأن الحياة لا تُعاش دفعةً واحدةً، بل لحظةً لحظةً. ومن يخرج من رمضان وقد فهم هذا الدرس، يدرك أن الوقت لا يُقهَر بالسرعة، ولا يُدار بالقسوة، بل يُحتوى بالوعي.

ويبقى السؤال الأهم مع اقتراب شهر الخير والبركة: هل سنحمل معنا هذا الفهم إلى ما بعد رمضان؟ وهل نستطيع أن نعيش الأيام القادمة بنفس الهدوء، ونمنح اللحظة حقّها دون خوف من الغد أو حسرة على الأمس؟ فمن أدرك روح رمضان، عرف أن أجمل ما في الوقت ليس مروره، بل حضورنا الصادق فيه.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.