: آخر تحديث

عصر الثعابين

7
7
6

لسنا في زمنٍ عاديٍّ، بل في عصرٍ يتقن فيه البعض الزحف أكثر مما يتقن الوقوف، ويتقن الالتفاف أكثر مما يفهم المواجهة. عصرٌ لا تُقاس فيه الخطورة بحجم الصوت، بل بسكونٍ خادع، ولا يُعرف فيه العدو من ملامحه، بل من أثر سُمِّه بعد فوات الأوان. إنه عصر الثعابين، حيث الخطر لا يُعلن نفسه، بل يبتسم.

وفي هذا العصر، لم تعد الثعابين تسكن الجحور، بل المكاتب والدوائر والحوارات اليومية. ثعابين أنيقة، ناعمة الخطاب، تحفظ لغة الأخلاق كما يحفظ الثعبان مسار جلده القديم، فتستخدمه عند الحاجة، ثم تتخلّى عنه بلا تردّد. فلا تُهاجم مباشرةً، بل تنتظر اللحظة المناسبة، حين تطمئن، وحين تُخفِض حذرك، وحين تظن أن الجميع في صفّك.

فعصر الثعابين هو زمن الأقنعة المتعدّدة؛ تجد فيه من يمدّ يده مصافحةً، بينما يُخبّئ في الأخرى سُمًّا مؤجّلًا. ومن يُكثر من المديح لا حبًّا، بل تمهيدًا، ومن يُتقن دور الصديق لا وفاءً، بل اقترابًا من نقطة الضعف. فالثعبان لا يركض خلف فريسته، بل يُراقبها طويلًا حتى تتعب وحدها.

وفي هذا العصر، تُختبر الفطنة لا القوّة، فالاندفاع لا يُنقذك، وحسن النيّة وحده لا يكفي. فالطيبون أكثر من يدفع الثمن، لأنهم يفترضون صفاء النوايا في زمنٍ صار فيه الافتراض خطأً مُكلفًا. وهنا، يصبح الوعي درعًا، والصمت حراسةً، والحدود الصارمة شكلًا من أشكال النجاة.

فليس كل هدوء سلامًا، ولا كل ابتسامة أمانًا، ولا كل قربٍ وُدًّا، فبعض القرب اختبار، وبعض الكلام فخٌّ، وبعض الصمت رسالة تحذير لمن يفهم.

فعصر الثعابين لا يُعلّمك أن تكون مثلها، بل يفرض عليك أن تعرفها؛ بأن تُميّز بين من يقترب بنيّة العون، ومن يقترب ليعرف من أين يلدغ، وبأن تفهم أن الوقاية ليست قسوةً، بل حكمةً، وأن تحجيم المحيط ليس عزلةً، بل تصفيةً ضروريةً.

وأخيرًا، نحن لا نعيش أزمة أشخاص، بل أزمة وعي. وفي عصر الثعابين، النجاة ليست في كثرة المقرّبين، بل في قلّة المخادعين حولك، وليست في الكلام الكثير، بل في الإصغاء لما لا يُقال. فمن تعلّم قراءة الزحف لا يُفاجئه اللَّدغ، ومن احترم حدوده نجا بكرامته. ففي هذا العصر، ليس المطلوب أن ترفع رأسك عاليًا فقط، بل أن تعرف جيدًا ما الذي يزحف تحت قدميك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف