في غرف التحرير الصامتة، حيث تتراكم الفواتير وتتناقص العائدات، يجلس صُنّاع القرار في المؤسسات الصحفية السعودية أمام معادلة صعبة: كيف نستمر في عالم يتغير بسرعة البرق؟ الصحف التي كانت يومًا إمبراطوريات إعلامية تواجه اليوم واقعًا قاسيًا، فعائدات الإعلانات تتآكل عامًا بعد عام، والقراء يهاجرون إلى المنصات الرقمية، والمنافسة لم تعد محلية بل عالمية، والكوادر المهنية تتقلص مع كل دورة تقشف. في هذا المشهد القاتم، يبرز سؤال استراتيجي قد يكون المفتاح للنجاة: لماذا لا تتحد المؤسسات الصحفية السعودية العريقة - الرياض، الجزيرة، عكاظ، المدينة، وغيرها - لإنشاء قناة إخبارية محلية مشتركة؟ هذا ليس حلمًا رومانسيًا، بل ضرورة اقتصادية تفرضها الأرقام الصادمة.
دعونا نواجه الحقيقة بشجاعة: المؤسسات الصحفية السعودية تعاني، وليس هذا سرًا يخفى على أحد. عائدات الإعلانات المطبوعة انخفضت بمقدار 2 مليار ريال في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، في تراجع مستمر يعكس التحول الجذري في سلوك المستهلكين. سوق إعلانات الصحف يتجه نحو انكماش بنسبة 5.16 بالمئة سنويًا حتى عام 2029، مما يعني أن المستقبل أكثر قتامة إذا استمرت الأمور على حالها.
"الأرقام أكثر إيلامًا عندما ننظر إلى التفاصيل: الإعلانات المطبوعة انخفضت بنسبة 3 بالمئة في عام 2023، ومن المتوقع أن تستمر في التراجع حتى 2027. في المقابل، من المتوقع أن تشكل الإعلانات الرقمية 90 بالمئة من إجمالي الإنفاق الإعلاني بحلول عام 2029، مما يعني أن الصحف المطبوعة تفقد حصتها السوقية بسرعة مخيفة."
هذا التراجع يترافق مع ضعف واضح في القدرات المهنية، فالمؤسسات الصحفية لم تعد قادرة على استقطاب أفضل المواهب أو الاحتفاظ بها، نظرًا لمحدودية الموارد المالية وعدم القدرة على المنافسة مع المنصات الرقمية والشركات الإعلامية الكبرى. الكوادر تتقلص، والاستثمار في التدريب يتراجع، والبنية التحتية التقنية تتقادم، في وقت يتطلب فيه الإعلام الحديث مهارات متقدمة وتقنيات متطورة.
في ظل هذا الواقع القاسي، يصبح التفكير التقليدي انتحارًا بطيئًا. الاستمرار في العمل بالنماذج القديمة نفسها، حيث تتنافس كل مؤسسة منفردة على حصة متناقصة من كعكة تتقلص، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل. الوقت قد حان للتفكير خارج الصندوق، بعيدًا عن الأنماط التي لم تعد صالحة لهذا العصر.
الشراكة الإعلامية لإنشاء قناة إخبارية محلية مشتركة تمثل نموذجًا اقتصاديًا ذكيًا يقوم على مبدأ "اقتصاديات الحجم"، حيث يتم توزيع التكاليف الرأسمالية الضخمة على عدة شركاء بدلاً من تحملها منفردة. لنكن واقعيين في الأرقام: إنشاء قناة تلفزيونية عبر الأقمار الصناعية يكلف نحو 50 ألف دولار كتكاليف أولية، بالإضافة إلى تكاليف بث شهرية تتراوح بين 8 آلاف إلى 30 ألف دولار حسب القمر الصناعي المستخدم. هذه الأرقام تصبح أقل إرهاقًا عندما تُوزع على خمس أو ست مؤسسات كبرى.
لكن الفائدة الحقيقية تتجاوز توزيع التكاليف. توحيد الجهود يعني تجميع الخبرات الصحفية المتراكمة لعقود، والشبكات الإخبارية الواسعة، والعلاقات المؤسسية الراسخة، في كيان واحد قادر على تقديم تغطية شاملة ومتوازنة. بدلاً من أن تحتفظ كل مؤسسة بمكتب صغير في كل منطقة، يمكن للقناة المشتركة أن تمتلك مكاتب مجهزة بالكامل في جميع المناطق، مع كوادر أكبر وإمكانات أفضل، مما يرفع جودة المحتوى ويعزز القدرة التنافسية.
الحديث عن الاندماج أو الشراكة ليس سهلاً، فكل مؤسسة لها تاريخها العريق وهويتها المستقلة وجمهورها الوفي. لكن التاريخ والهوية لن يدفعا الفواتير، والوفاء وحده لن يوقف نزيف العائدات. الخطوة الجريئة التي تحتاجها المؤسسات اليوم هي الاعتراف بأن البقاء منفردة يعني الموت البطيء، وأن الاتحاد قوة ليس مجرد شعار، بل ضرورة وجودية.
بهذا نكون قد استعرضنا التحديات الكبيرة التي تواجه الصحافة السعودية وضرورة التفكير خارج الصندوق. في الجزء الثاني، سنتعمق أكثر في النموذج المقترح للقناة الإخبارية المشتركة، والفرص الاقتصادية التي توفرها، وكيف يمكن التغلب على التحديات المؤسسية والثقافية لضمان نجاحها.

