حميد سعيد ليس مجرّد اسم في تاريخ الشعر العراقي، بل هو تجسيد لتجربة زمنية غنيّة، وسيرة شاعر شهد تحوّلات جذرية، وأسهم برؤيته لا بوصفه مؤرّخًا، بل فاعلًا متفاعلًا مع اللغة، ومقيمًا في تساؤلاتها العميقة.
وُلد عام 1941 في منطقة الوردية بمدينة الحلة، المعروفة بمهرجان الشعراء وأسرارهم، حيث يتداخل فيها نهر الفرات مع الذكريات، ويتحوّل المكان إلى أبعاد صوتية.
منذ طفولته، لم يكن الشعر بالنسبة إليه مجرد هواية مدرسية أو تدريب على اللغة، بل كان انبهارًا غامضًا بالنغمة الأصلية للحياة. أغاني الشوارع والهتافات الشعبية التي سمعها وهو صغير كانت البذور الأولى، قبل أن يتوسع وعيه في مراحل تعليمه ليشمل الشعر المهجري، متأثرًا بأسماء كميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران.
لم يكن التقليد هنا شائبة، بل مرحلة ضرورية لاستكشاف صوته الفريد. عند تخرجه من قسم اللغة العربية بجامعة بغداد في عام 1968، كانت رؤيته واضحة: اللغة ليست أداة، بل هي مصير محتّم. ومن هنا، بان مشروعه الشعري الذي تميز بالتوازن بين التراث والحداثة، وبالالتقاء بين الإيقاع المستمد من التراث والقلق المعاصر.
لم يكن من الشعراء الذين قطعوا صلتهم بالأشكال التقليدية، كما لم يكن ممن يبحث عن الحماية خلفها خوفًا من الابتكار. فقد كتب الشعر العمودي وقصيدة التفعيلة معًا، واضعًا الإيقاع في قلب تجربته، ليس كقالب، بل كقوة داخلية تنبض بالحياة.
قصيدته تتميز بالعمق والتفكير الشامل؛ فهي هادئة، لكنها أيضًا تبتعد عن التعقيد المبالغ فيه، وتتناول قضايا سياسية من دون الوقوع في شباك الرغبة في التوجه الترويجي. إنه نوع من الشعر الذي يفكر بقدر ما يغني، ويغني بقدر ما يفكر.
يتميز بقدرته الفريدة على الدمج بين بلاغة اللغة العربية ومرونة التعبير العصري، دون الانزلاق إلى الخطابة أو الزخرفة اللفظية. لغته مشدودة إلى جذور التراث، لكنها لا تستنسخه بشكل سطحي، بل تعيد تشكيله وفق احتياجات العصر.
تعتمد قصيدته على إيقاع داخلي متسق يربط بين العروض التقليدية والتفعيلة، حيث يكون الوزن وسيلة لنقل المعنى وليس غرضًا في حد ذاته. ومن أبرز نقاط قوته الشعرية قدرته على التكثيف الرمزي واستحضار التاريخ والأسطورة ليس كحنين للماضي، بل كمرآة تعكس بصورة نقدية الحاضر.
وكذلك يتمتع بنظرة تأملية تعيد تشكيل تجاربه السياسية والوجودية إلى نص شعري منظم، حيث تتفاعل الذات والجماعة بلا غلبة أي منهما على الأخرى. قصائده تعكس لغة قوية وهدوءًا في نبرتها وعمقًا في أثرها، تتصارع مع النسيان من خلال الجمال.
بدأ بمهنة التعليم ثم انتقل إلى العمل الثقافي والصحفي منذ أواخر الستينيات، متنقلًا بين بغداد ومدريد والرباط، قبل أن يتولى مناصب ثقافية وصحفية مرموقة مثل مدير التأليف والنشر، ومستشار صحفي، ورئيس تحرير صحيفة الثورة، ومستشار ثقافي، ورئيس أمناء بيت الحكمة.
على الرغم من كثرة هذه المناصب، لم تؤثر على إبداعه الأدبي أو تحوّل الشاعر إلى مجرد موظف يلوك الكلمات. تبقى القصيدة أولويته، وتظل أعمق من المناصب والسلطة، لذا كان دائمًا موضوعًا للجدل وتباين الآراء، لأن شعره لم يكن يومًا محايدًا، ولكنه كذلك لم يكن مكتوبًا بدافع الولاء الحزبي فقط.
انتُخب أمين سر الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ثم ترأّس الاتحاد، وتولى أيضًا الأمانة العامة لاتحاد الكتاب العرب لدورتين. ومع ذلك، كان يرى نفسه في المقام الأول شاعرًا يكتب استجابة لضغوط الحياة وأسئلتها التي لا تنتهي.
في أعقاب عام 2003، استقر في العاصمة الأردنية. لم يعتبر المنفى فصلًا فاصلًا، بل تحولًا صارخًا في نظرته. بالنسبة إليه فإن المنفى ليس حالة من الحزن المستمر أو اشتياق رومانسي، بل هو اختبار للذات، ولقدرة اللغة على توفير وطن بديل. ولهذا السبب، جاءت أعماله الأخيرة أكثر رزانة وتأملًا، مع قلة في الانفعالات لكنها أعلى في الكثافة.
في نقاشاته حول الشعر، لا يراه مجرّد مادة إنتاجية، بل كائنًا نابضًا بالحياة. ويعدّ البداية المرحلة الأصعب، حيث تتداخل الأفكار مع الخيال، في المسافة بين ما لم يُكتب بعد، وما يستدعي الكتابة بإلحاح. فالقصيدة لا تمتلك زمنًا محددًا، لكنها تعكس زمن محيطها، ثم تتجاوزه، كما فعلت ملحمة جلجامش، والإلياذة، وشعر المتنبي والمعرّي؛ وهنا يكمن سر بقائها، إذ إن ما يظل في النهاية هو الجمال الدائم.
يؤمن بأن مصادر الإبداع تعكس مصادر الحياة: الخبرة، المعرفة، القراءة، الخسارة، الفرح، الشارع، المقهى، الحرب، الحب، والذاكرة. ودون هذا النسيج الحياتي، يصبح الشعر تجريدًا لغويًا باردًا.
لا يرى في الثنائيات السهلة مثل الشكل والمضمون أو الحداثة والتراث، فكلاهما متداخلان في النص الشعري الحقيقي. الشكل يحمل معاني، والمعنى يحمل أشكالًا. وعندما يدخل العمل إلى "عالم الشعر"، يظل متحدًا وليس متشرذمًا.
لذا يؤكد أن الشعر الحقيقي هو الذي يخلق قراء مميزين، يهز ذوقهم، يتحدى قناعاتهم، ويدفعهم للتفكير في المألوف. وهكذا كانت كل التحولات الكبرى في تاريخ الشعر.
يمتد عمله الشعري والفكري لأكثر من خمسين عامًا، متضمنًا مجموعة من الدواوين والكتب التي وثّقت التحولات الجمالية والمعرفية في العراق والعالم العربي. من "شواطئ لم تعرف الدفء" إلى "نجمة بعد حين"، حيث ظل الشعر لديه كتابة موقف بقدر ما هو كتابة جمال.
نال عمله تكريمًا واسعًا من العالم العربي، حيث مُنح عددًا من الأوسمة والجوائز، أبرزها وسام القدس من ياسر عرفات عام 1990 تكريمًا لمواقفه العروبية، ووسام الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في عام 2004، حتى جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في عام 2025 في مجال الشعر العربي.
فلسطين في شعره ليست قضية عابرة أو مجرد شعار، وظلت رمزًا للعدالة المعلقة واختبارًا لضمير المثقف العربي. لهذا، كان شعره دائمًا مؤيدًا للحقوق الإنسانية، رافضًا الفصل بين الأدب والموقف، مؤمنًا بأن الشعر الذي يفقد بعده الأخلاقي يفقد أحد أسباب استمراريته.
هو ليس شاعر لحظة عابرة، بل معبّر عن تساؤلات الزمن العراقي والعربي، شاعر كتب وهو يعيش تجربة وطن قاسٍ يجرح أبناءه، ومنفى يمنحه شعورًا بالعزلة المؤقتة. لقد حمل العراق روحًا ولغة وذاكرة، وكان واعيًا بأن الوطن قد يكون فكرة أكثر من كونه مكانًا، وأن الغربة ليست دومًا خارج الحدود، بل غالبًا ما تبدأ في الأعماق.
ويُعد اليوم نموذجًا للتفاعل المثمر بين الشعر والأفكار، بين السياسة والجمال، بين الأفراد والمجتمعات، حيث لا تتقدم الشعارات على النص ولا ينفصل الشعر عن قضاياه الأخلاقية والوجودية.
وبعد: فإن حميد سعيد لم يكن شاعرًا ينشر يقينًا، بل شاعرًا مبدعًا قلقًا، يسعى لإبقاء الأسئلة حية، ويتحدى النسيان بكلماته. قصائده لا تقدم إجابات مطلقة، بل تفتح الجروح على معان جديدة، وتحافظ على الذاكرة نشطة، وتمنح القارئ فرصة الانخراط في عملية البحث.
وتلك في نهاية الأمر هي علامة الشعر الحقيقي: أن يكون وطنًا بديلًا حين ينساه الوطن، وملاذًا للمعنى حين يشتد الظلام.


