: آخر تحديث

الجباية في غزة تحت ضغط الحرب

3
3
3

في خضم الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، لم تعد تداعيات الأزمة مقتصرة على الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والخسائر البشرية المتراكمة، بل امتدت لتطال البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني اختلالات عميقة تفاقمت مع طول أمد الحرب. فإلى جانب الحصار المشدد، وتعطّل حركة المعابر، وتقييد تدفق السلع، برزت أزمة داخلية تتعلق بسياسات الجباية والرسوم المفروضة على البضائع الواردة إلى القطاع، ما فتح نقاشًا متزايدًا حول قدرة الإدارة القائمة على التكيّف مع ظروف استثنائية بهذا الحجم.

يشكو تجار وأصحاب أعمال في غزة من أن الأعباء المالية المفروضة على السلع، في ظل الانكماش الحاد للسوق وارتفاع المخاطر التشغيلية، باتت تهدد استمرارية النشاط التجاري نفسه. وتأتي هذه الشكاوى في سياق اقتصادي شبه مشلول، حيث تراجعت القدرة الشرائية لغالبية السكان، واتسع نطاق النزوح، وتضررت مصادر الدخل، بينما ارتفعت تكاليف النقل والتأمين نتيجة القصف وعدم الاستقرار. وفي بيئة كهذه، تتحول أي رسوم إضافية إلى عامل مباشر في رفع أسعار السلع وتقليص المعروض، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على المواطن الذي يواجه صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاته الأساسية.

من حيث المبدأ، لا يمكن لأي سلطة قائمة أن تدير شؤون مجتمع دون موارد مالية، غير أن الإشكالية تبرز عندما تُطبّق سياسات الجباية بالآليات نفسها المستخدمة في ظروف طبيعية أو أقل قسوة. ففي زمن الحرب والانهيار الشامل، تصبح المرونة المالية وإعادة ترتيب الأولويات ضرورة لا خيارًا. ويطرح غياب الإعفاءات أو التخفيفات الواسعة تساؤلات حول مدى استيعاب الواقع الاستثنائي، وحول قدرة المنظومة الإدارية على الانتقال من إدارة اعتيادية إلى إدارة أزمة ممتدة ومعقدة.

تتعمق هذه الإشكالية مع تصاعد أحاديث محلية عن ضعف الشفافية في إدارة الموارد، وتداول مزاعم بشأن سوء استخدام الصلاحيات أو التحكم بتدفق بعض البضائع خارج الأطر المعلنة. وبالرغم من صعوبة التحقق المستقل من هذه الادعاءات في ظل الحرب وغياب أدوات الرقابة المؤسسية، إلا أن انتشارها يعكس أزمة ثقة متنامية بين المجتمع والجهات القائمة على الإدارة، وهي أزمة تحمل آثارًا سياسية واجتماعية لا تقل خطورة عن الخسائر الاقتصادية المباشرة.

تأتي هذه التطورات بينما تشهد المساعي السياسية الرامية إلى وقف إطلاق النار تعثرًا واضحًا، وسط خلافات حادة حول ملفات الأسرى، وترتيبات ما بعد الحرب، وآليات إدخال المساعدات وإعادة الإعمار. وفي هذا السياق، تتعرض الجبهة الداخلية لضغوط مركبة، حيث تراهن إسرائيل، ضمن استراتيجيتها الحالية، على استنزاف المجتمع الفلسطيني من الداخل، وتحويل الأزمات المعيشية إلى عامل ضغط سياسي. ومن هنا، فإن أي خلل في إدارة الموارد أو توزيع الأعباء الاقتصادية يساهم، ولو بصورة غير مباشرة، في إضعاف الموقف الداخلي.

الجهة التي تتولى إدارة القطاع بحكم الواقع تتحمل مسؤولية مضاعفة في حماية الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية، وضمان ألا تتحول الجباية إلى أداة إنهاك إضافية لمجتمع يواجه خطر الانهيار. إن دعم التاجر الصغير، وتسهيل تدفق السلع الأساسية بأقل تكلفة ممكنة، يشكلان جزءًا من متطلبات الصمود، لا مسألة إدارية ثانوية.

اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الداعي إلى الصمود، وبين الممارسة الاقتصادية اليومية، يهدد بتآكل الثقة ويغذي مشاعر الإحباط. فالتاجر الذي يواصل العمل في بيئة عالية المخاطر يتوقع سياسات تخفيف وتسهيل، لا أعباء إضافية تزيد من احتمالات الخسارة. ومع استمرار هذا الخلل، يتحول النقاش العام تدريجيًا من مواجهة الاحتلال إلى مساءلة الإدارة الداخلية، وهو مسار يحمل في طياته تداعيات طويلة الأمد.

إنَّ معالجة أزمة الجباية في غزة تتطلب مراجعة شاملة للسياسات المالية، وتعزيز الشفافية، وفتح قنوات تواصل منتظمة مع الفاعلين الاقتصاديين، إلى جانب تفعيل آليات مساءلة واضحة لأي تجاوزات محتملة. فغزة لا تحتاج فقط إلى وقف لإطلاق النار، بل تحتاج أيضًا إلى إدارة اقتصادية أكثر حساسية للواقع الاجتماعي، وأكثر توازنًا بين متطلبات الصمود وكرامة العيش.

يبقى صمود المجتمع الغزي مرهونًا ليس فقط بوقف آلة الحرب، بل أيضًا بقدرة الإدارة الداخلية على تخفيف الأعباء لا مضاعفتها. فالحرب، مهما بلغت قسوتها، لا تبرر تجاهل الخلل الداخلي، بل تجعل معالجته أكثر إلحاحًا. إن إعادة ضبط النهج الاقتصادي ضرورة وطنية لحماية الجبهة الداخلية، وضمان ألا تتحول المعاناة الجماعية إلى عامل إضافي لتآكل المجتمع من الداخل.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.