: آخر تحديث

البحرين… الجزيرة التي لا تعرف الخوف

5
5
4

ليس من السهل أن يكتب الإنسان عن بلد يحبه دون أن تتحول الكلمات إلى شيء يشبه الاعتراف.

فبعض البلاد لا تكتب عنها المقالات بقدر ما تكتب لها الرسائل، والبحرين من هذا النوع النادر من الأوطان؛ بلد صغير في مساحته، كبير في معناه، كأن البحر اختار أن يضع في هذه الجزيرة فكرة كاملة عن الكرامة والهدوء والإنسان.

هذه الليلة حاولت صواريخ الشر الأسود القادمة من الضفة الأخرى أن تعكر صفوها، أن تكسر سكون الليل، وأن تسرق من السماء تلك الطمأنينة التي تعودت أن تظل فوق المنامة كوشاح من نور. لكن من يعرف البحرين جيداً يدرك أن الضجيج لا يخيفها. فمن تعود أن يسمع هدير البحر منذ قرون، لا يخاف صدى الصواريخ ولا ضجيج خردة الملالي.

وفي تلك اللحظات التي كانت فيها الشاشات تتحدث عن تهديدات واعتراضات وصافرات، كانت الحياة في البحرين تمضي بثقة هادئة. الأطفال ينامون، الأمهات يرفعن الدعاء، ورجال الجيش يقفون عند حدود السماء كأنهم يقولون ببساطة: هنا بلد يعرف كيف يحمي نفسه.

عندها يتضح السر الذي يجعل البحرين مختلفة.

فالبلاد الحقيقية لا تقاس بمساحتها، بل بصلابة روحها.

البحرين ليست مجرد جزيرة محاطة بالماء، إنها فكرة كاملة عن معنى الوطن. فكرة أن الكرامة يمكن أن تسكن أرضاً صغيرة لكنها تمتد في القلوب حتى تصبح أكبر من الضجيج كله. فكرة أن التعايش يمكن أن يعيش بهدوء في بلد واحد، حيث يمر الناس بين مسجد وكنيسة ومعبد دون أن يفقدوا احترام بعضهم. فكرة أن الإنسان يمكن أن يكون أقوى من الخوف.

البحرين بلد يحب الحياة.

يحب الأسواق القديمة، المقاهي الصغيرة، رائحة القهوة في الصباح، وضوء الغروب عندما يلامس البحر بهدوء. لم تخلق هذه البلاد لتكون ساحة صواريخ، بل بيتاً للناس.

لكن التاريخ يقول إن المدن الهادئة غالباً ما تساء قراءتها. هناك دائماً من يظن أن الصراخ قوة، وأن إطلاق الصواريخ يمنحه هيبة. لكنه لا يدرك أن القوة الحقيقية ليست في الضجيج، بل في القدرة على البقاء هادئاً بالرغم من كل شيء.

ولهذا، حين عبرت الصواريخ السماء هذه الليلة وما قبلها، لم تكن مجرد حادثة عسكرية عابرة. كانت امتحاناً لروح بلد كامل. وكان الجواب واضحاً: البحرين أكبر من أن تخيفها صواريخ الشر، وأعمق من أن تهتز بضجيج سياسي مؤقت.

في البحرين شيء لا تملكه كثير من البلدان، شيء يشبه هدوء الثقة، ذلك الهدوء الذي يشبه رجلاً يعرف أن بيته محروس بأبنائه وإخوته، فلا يرفع صوته كثيراً، ولا يبالغ في الغضب، لأنه يعرف أن الحق يقف إلى جانبه.

ولهذا فإن الصواريخ التي حاولت تعكير صفو البحرين لم تفعل شيئاً سوى أنها كشفت الفرق بين عالمين: عالم يبني الحياة، وعالم لا يعرف إلا إرسال الموت. بين من يزرع النخيل في الأرض، ومن يزرع الصواريخ في السماء.

والليل الآن يقترب من نهايته.

البحر ما زال هادئاً كما كان دائماً، والجزيرة الصغيرة ما زالت تقف بثقة في قلب الخليج العربي والذي لن يكون إلا كذلك.

غداً ستشرق الشمس فوق المنامة كعادتها، وستفتح المتاجر أبوابها، سيذهب الناس إلى أعمالهم، وستعود المقاهي إلى ضجيجها الجميل. وستصبح الصواريخ مجرد خبر عابر في ذاكرة ليلة، بينما تبقى البحرين كما كانت دائماً: بلداً يعرف كيف يعيش، وكيف يحرس كرامته بهدوء، فالعاصفة مهما ارتفعت أصواتها تبقى ضيفاً عابراً.

أما البحرين، فهي البيت والقرار والسلام.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.