: آخر تحديث

درونات شقيقة

2
2
3

تأسَّست قوات الحشد الشعبي بناءً على فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع الشيعي السيد علي السيستاني بهدف مواجهة تنظيم داعش الإرهابي الذي احتل أجزاء واسعة من أراضي العراق في عام 2014. ويبدو أنَّ الحكومة العراقية كانت ضعيفة واهنة في تلك الفترة إلى حد لم تستطع قوات الجيش العراقي مواجهة ذلك التنظيم، ما دعاها إلى اللجوء إلى المرجع الديني لإصدار الفتوى الجهادية. وعلى إثر ذلك صدر قانون الحشد الشعبي من البرلمان العراقي في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، والذي عد قوات الحشد جزءاً من القوات المسلحة العراقية. ولكن للأسف تحولت تلك القوات على أرض الواقع إلى جزء من القوات المسلحة الإيرانية تأتمر بأوامر من قوات البسيج الإيرانية.

وبالمقابل تعد قوات البيشمركة الكوردية في إقليم كوردستان وفق الدستور العراقي جزءاً من القوات المسلحة العراقية، وهذا يعني أن قوات البيشمركة وقوات الحشد أصبحتا بمثابة (شقيقتين توأمين) وفق القانون والدستور العراقي.

من الناحية العملية فإنَّ أسباب وموجبات تأسيس الحشد الشعبي قد انتهت بزوال تهديدات تنظيم داعش الإرهابي في العراق، فلم يتبق لهذا التنظيم سوى مجموعات صغيرة تتجول في المناطق الصحراوية والنائية بوسط العراق وغربه، وهي لا تشكل أي تهديد حقيقي للسلطة ولا تستطيع حتى أن تقوم بعمليات انتحارية أو زرع العبوات الناسفة إلا فيما ندر، وهذا يعني بأنه لم تعد هناك أية حاجة لكل هذا الحشد "الشعبي" الذي يستنزف التريليونات من ميزانية العراق لإطعامهم وإكسائهم وتسليحهم.

بصريح العبارة انتهت صلاحية الحشد الشعبي ولم تعد هناك أية حاجة لبقائها، ويفترض أن تحل نفسها لتقوم القوات العراقية الرسمية (الجيش العراقي) بأداء مهامه في حماية البلاد وفق الدستور.

أعتقد بأن الإبقاء على الحشد بعد انتهاء تهديدات داعش كان الغرض منه هو تجنيده وتسخيره لخدمة أجندات إيران وإحكام سيطرتها على الواقع السياسي في العراق وجعله نسخة طبق الأصل من الحرس الثوري الإيراني، وبطبيعة الحال يبدو أن إيران نجحت في هذا المسعى حيث لا يخفي قادة الحشد حقيقة ولائهم للمرشد الإيراني وتبعيتهم لقيادة قوات البسيج، بل يتبجحون بها ويعلنونها صراحة بالرغم من أنهم بالأساس مسؤولون عن الدفاع عن العراق من أية تهديدات أو تدخلات خارجية.

الأيام الماضية من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك بأن فصائل الحشد الشعبي لم تكن وكيلة عن إيران في العراق بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من القوات الإيرانية الداخلة في الحرب. فبدلاً من الدفاع عن أرض العراق تحولت هذه الفصائل إلى ذراع ضاربة ليست ضد القواعد الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، بل وجهت دروناتها وصواريخها نحو مدن إقليم كوردستان ومنها مقرات ومراكز قوات البيشمركة الكوردية التي يفترض أنها "شقيقة" للحشد وأنهما ينضويان معاً ضمن منظومة الجيش والأمن العراقي يتحملان المسؤولية المشتركة للدفاع عن أرض العراق.

بطبيعة الحال فإن الحشد الشعبي أصغر من أن يتجرأ على التحرش بالقوات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، فليس أمامه سوى التحرش بالمدن الكوردستانية وقوات البيشمركة والمرافق الاقتصادية في إقليم كوردستان، وهنا ينطبق مع شديد الاعتذار المثل المصري القائل "سابوا الحمار ومسكوا في البردعة". فلا قوات البيشمركة دخلت هذه الحرب، ولا أطلقت رصاصة واحدة باتجاه إيران، ولا لإقليم كوردستان ناقة في هذه الحرب ولا جمل، وهي حرب تهدد المنطقة بأكملها بما فيها كوردستان العراق، فلماذا إذن يستهدف الحشد الشعبي المرافق المدنية والبنى التحتية للكهرباء وحقول النفط التي تعتبر المتنفس الوحيد لدعم مالية الدولة بعد إغلاق الحرس الثوري الإيراني لكل منفذ على الخليج لتصدير النفط العراقي.

على الحكومة العراقية أن تفيق من غفوتها وتسعى إلى تفكيك هذا الحشد الإيراني وإنهائه قبل أن يودي بالعراق إلى التهلكة المحتومة، خصوصاً مع وصول مرشد إيراني جديد بخلفية أمنية إلى السلطة في إيران، ما يعني بأن التدخلات الإيرانية في العراق ستستمر وأنه سيبقى الحديقة الخلفية لإيران وموضع تهديد دائم لأمن واستقرار العراق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف