السؤال المطروح اليوم وبقوة الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران: هل ستستجيب إيران للمطالب والشروط المعلنة، وأبرزها الإعلان عن استسلام إيران وتسليم سلاحها؟ وهذا السؤال يعني تجريد إيران من سيادتها بالكامل وخلق إيران جديدة بنظام حكم ينصاع ويستجيب لهذه الشروط. ولقد سبق هذه الشروط التي أفرزتها الحرب الحالية المطالب الإثنا عشر التي وضعها وزير الخارجية الأميركية بومبيو، والتي تتسم بالشمول وتتعلق بنزع كل القدرات النووية والصاروخية، ويعادلها تغيير النظام السياسي. وتعني الشروط الجديدة التي تتوافق وحجم وشمولية الحرب التي تتسع إقليميًا وعالميًا أن سياسة العقوبات الشاملة التي فرضتها أميركا لم تعد مجدية، وتتراجع مع نزع السلاح الإيراني بل واستسلام الحرس الثوري وتسليم نفسه.
الإجابة على السؤال لا يمكن النظر إليها من منظور أحادي، بل من خلال رؤية شاملة للسلوك الإيراني، والمحددات التي تحكم هذا السلوك، وأيضًا من منظور الحرب وتداعياتها على الداخل الإيراني. وقبل الدخول في تفسير هذه المحددات لا بد من الإشارة إلى نظرية العقوبات كسلاح في السياسة الخارجية، ولا أحد ينكر أهمية العقوبات واعتبارها أحد أدوات السياسة الخارجية الأميركية لعقود طويلة، ولا شك أن العقوبات نجحت في العديد من الحالات حتى مع إيران في زمن الرئيس أوباما عندما كانت للولايات المتحدة هيبتها وقدرتها على حشد التحالفات الدولية.
كما أن إيران في مأزق وتواجه الكثير من التحديات الداخلية والخارجية، وأيضًا الولايات المتحدة تعاني من توتر في علاقاتها الدولية وخصوصًا مع حلفائها، وبروز تنافس كبير من روسيا والصين اللتين تسعيان لإعادة صياغة النظام الدولي بعيدًا عن الهيمنة الأميركية الأحادية. لكن في الوقت ذاته لا يمكن التقليل من تأثير هذه العقوبات على اقتصاد إيراني يعاني من ارتفاع نسب الفقر والبطالة وانهيار لقوة عملته، وبسبب ارتفاع كلفة التمدد الخارجي الذي يكلفها نفقات كبيرة تقدمها لوكلائها في المنطقة كحزب الله والحوثيين وحماس والجهاد وغيرها.
ومن ناحية أخرى تتحكم الولايات المتحدة في عمل المؤسسات المالية الدولية التي تمنح إيران شهادة أمان للمستثمرين، وقدرة الولايات المتحدة على التأثير في الكثير من المؤسسات المالية للدول من خلال التحكم فيما يعرف بنظام SWIFT والذي يعني خضوع التحويلات المالية لإيران للعقوبات، وهو ما يعني أن هذه العقوبات مهدت للحرب الحالية وأفقدت إيران الكثير من قدرتها على تحمل كلفة حرب طويلة. ولا ننسى الاحتجاجات التي سبقت الحرب طالبت بتغيير النظام، وأن هذه الحرب قد تفتح الخيار من جديد لهذه الاحتجاجات أن تستأنف من جديد ولكن في ظروف أكثر فعالية وقدرة وتأثيرًا.
وبالعودة للسؤال: هل تغير إيران من سلوكها السياسي؟ هنا تثار أكثر من نظرية للتفسير، أبرزها نظرية الواقعية التقليدية والجديدة. وهذه النظرية بشقيها تقوم على فكرة القوة والأمن، وعلى فكرة القتال والحرب أي القوة العسكرية، وتوسع من مفهوم القوة التقليدي بالقوة الاقتصادية والجيوسياسية والجيوثقافية، وتقوم على فوضوية النظام الدولي. وكما يقول أحد أنصار هذه النظرية: يمكن التنبؤ بالسلوك السياسي للدولة من موقعها في هذا النظام.
هذه النظرية تفسر لنا السلوك الإيراني باعتبارها دولة قوة وتسعى لامتلاك القوة بكل عناصرها وخصوصًا النووية. والنظرية الثانية التي تفسر لنا سلوك إيران هي نظرية الدور أو هاجس الدور، وهو ما تتصوره النخبة الحاكمة في إيران التي ترى في إيران أنها الدولة المنوط بها حماية العالم الإسلامي وقيادته وحماية المستضعفين مقابل المستكبرين، وقناعتها بغياب الثقة بمحيطها الإقليمي وبالولايات المتحدة، وتعتمد في شرعية نظامها على تحدي القوة الأميركية.
والنظرية الثالثة التي تفسر لنا سلوك إيران هي طبيعة النظام السياسي الإيراني، والذي في جوهره يقوم على مركزية الفقيه، وأنه المرجعية العليا لكل مؤسسات النظام السياسي، فالقرار بيده ولا يعدو رئيس الدولة أن يكون موظفًا عنده، ناهيك عن تبعية الحرس الثوري له.
إلى جانب هذه النظريات هناك النظرية القومية والاستعلاء الفارسي والرغبة في عودة الإمبراطورية الإيرانية. هذا وتوجد مجموعة من المحددات التي تحكم سلوك إيران، وهي الوضع الجيوسياسي لإيران باعتبارها دولة شبه مغلقة والمنفذ الوحيد لها الخليج العربي، وهذا ما يفسر اعتبار كل المنطقة منطقة أمن إيرانية، والإرث التاريخي والمتمثل في روح الأمة الإيرانية واعتزازها، إلى جانب المحددات الأيديولوجية وإحياء المشروع الفارسي.
هذه المحددات والتفسيرات تحدد الخيارات المتوقعة للرد على شروط الحرب الجديدة، أبرزها خيار التصعيد والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وهو خيار مستبعد أن تذهب إيران بعيدًا فيه لإدراكها أن هذا المضيق عبره يدخل خمس الاستهلاك العالمي من النفط، وأنه قد يتسبب لها في حرب مدمرة، ولكنه غير مستبعد لو شعرت إيران أنها فقدت كل قدرة على الصمود، لأن تكلفته قد تكون إسقاط النظام وتغييره.
وأما خيار استهداف التواجد الأميركي وقواعده في المنطقة فقد يتسبب لها بالكثير من الخسائر كما نرى اليوم. وهناك خيار تفعيل دور الحرب بالوكالة من خلال وكلائها كما في اليمن والعراق، وهو خيار قد يجرها للحرب الإقليمية الشاملة. وأخيرًا خيار الانسحاب الجزئي من المعاهدة النووية التي ما زالت قائمة بتوقيع الدول الأخرى عليها، وهذا قد يفقدها الثقة وتتحلل الدول الأوروبية منها. وأما خيار التعويل على روسيا والصين فهذه الدول لها متاعبها ومصالحها الأكبر مع الولايات المتحدة.
لذلك لا يبقى أمام إيران إلا التكيف والاستجابة ولو الجزئية والدخول في مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة وبإطار أوسع وأشمل حفاظًا على ما حققته من إنجازات والابتعاد عن تهديد نظامها الذي بدأ الجدل يدور بعد مقتل خامنئي وعدد من القيادات والتهديد بقتل أي مرشد جديد.
لا شك أن هذه الحرب قد ضيقت من خيارات إيران وخصوصًا بعد استهدافها لدول الجوار العربي ووسعت من احتمالية الحرب الإقليمية الواسعة، ولا يبقى أمام إيران إلا الاستجابة المرنة لتغيير سلوكها السياسي حفاظًا على بقائها وبقاء نظامها الذي يعتبر أولوية عليا ورديفًا لبقاء إيران كدولة.


