ليس الفسفور الأبيض مجرد مادة تستخدم لإنتاج الدخان في ساحات القتال، بل هو سلاح حارق يشتعل فور ملامسته للأكسجين، ويستمر في الاحتراق بدرجات حرارة هائلة قادرة على اختراق الجلد واللحم والعظم. وعندما يُستخدم فوق مناطق مأهولة بالسكان، فإنه لا يميز بين موقع عسكري وسقف منزل أو جسد طفل.
في السنوات الأخيرة، تراكمت الأدلة على استخدام إسرائيل لقذائف الفسفور الأبيض فوق مناطق مدنية مكتظة في قطاع غزة. شهادات شهود العيان، وتقارير منظمات حقوق الإنسان، والصور الموثقة أظهرت شظايا مشتعلة تتساقط فوق الأحياء السكنية، مسببة حرائق واسعة وإصابات مروعة يعجز الأطباء أحيانًا عن علاجها. وفي منطقة محاصرة ومكتظة مثل غزة، يصبح استخدام مثل هذه المادة كارثة إنسانية فورية.
اليوم، يبدو أن المشهد ذاته يتكرر في جنوب لبنان. التقارير والصور المتداولة تشير إلى إطلاق قذائف فسفورية فوق بلدات وقرى يعيش فيها المدنيون. هذه ليست ساحات قتال فارغة، بل مجتمعات يعيش فيها مزارعون وعائلات وأطفال. وعندما تنتشر هذه المادة الحارقة في الهواء، فإنها تشعل الحقول والمنازل، وتلوث البيئة، وتترك السكان في مواجهة نيران يصعب احتواؤها.
القانون الدولي الإنساني واضح في هذه المسألة. فالبروتوكول الثالث من اتفاقية الأسلحة التقليدية يفرض قيودًا صارمة على استخدام الأسلحة الحارقة بالقرب من السكان المدنيين، لأن آثارها لا يمكن عمليًا حصرها أو التحكم بها بعد إطلاقها.
وعندما تُستخدم هذه الذخائر فوق مناطق مأهولة، فإن القضية لا تعود مجرد نقاش قانوني تقني، بل تتحول إلى احتمال واضح لارتكاب جرائم حرب. فقصف القرى والبلدات بمواد حارقة يعرض السكان لخطر الحرق الجماعي والدمار واسع النطاق.
لكن المسؤولية لا تقع فقط على من يطلق القذائف. فهي تمتد أيضًا إلى القيادات السياسية التي تأذن باستخدامها، وإلى الدول التي تستمر في تزويد هذه الأسلحة أو توفر الغطاء السياسي والدبلوماسي لمن يستخدمها.
ما يجري اليوم من غزة إلى جنوب لبنان يكشف أزمة أعمق من مجرد سلاح محظور أو انتهاك قانوني. إنه يطرح سؤالًا جوهريًا حول مصداقية النظام الدولي نفسه. فإذا كان القانون الدولي موجودًا لحماية المدنيين في زمن الحرب، فإن صمته أمام استخدام أسلحة حارقة فوق القرى والمدن يجعل هذا القانون يبدو، في نظر كثيرين، مجرد نصوص بلا قوة حقيقية.
وفي نهاية المطاف، فإن حرق القرى بالفسفور الأبيض ليس حادثة عسكرية عابرة، بل اختبار أخلاقي وقانوني للعالم كله: هل تبقى حماية المدنيين مبدأً حقيقيًا، أم تتحول إلى شعار يُرفع فقط عندما يكون الضحايا من الطرف المقبول سياسيًا؟


