منذ فجر التاريخ تعلّمنا أن كل تغيير يأتي من الخارج فسيكون مضطربًا غير شرعيٍّ، لأنه ولو حقق بعض التطلعات سيكون لمصلحة المغيِّر الخارجي أولاً وآخرًا.
ولهذا نجحت رسالة النبي العربي محمد في عالمها العربي بالرغم من كل التحديات والمؤامرات، لأنها تجربة داخلية صرفة. وكل تجارب السياسة التالية عليها يمكن قياس مدى نجاحها من إخفاقها بهذا العامل الأوحد.
وهذا لا يكون اليوم إلا حين يرى الناس أن إنكار الظلم أو الخطأ أو الانحراف أو الانحدار يكون فرضَ عين على كل مواطن. لكن تقاعس الناس عن هذا الواجب يجعلهم يسوّغون اليد الخارجية بذريعة أنه لا يمكن أن يحدث التغيير دون الاستعانة بالخارج [كمن يتقاعس عن الصلاة بذريعة أنه سكران، وأنه قد قال تعالى: ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى].
والأمر نفسه فيما يحصل حولنا من تغييرات وصراعات، فنحن نسوّغ ما يجري على إيران من عدوان تحت ذريعة أنها أفسدت في دولنا. ويرد عليهم خصومهم أصحاب وجهة النظر الأخرى بأن الأميركي وربيبه الكيان أشد خطرًا وإفسادًا لو غلب.
الحقيقة هي أن هذا ليس ذنب إيران ولا أميركا ولا الكيان، فهذه سنة التاريخ ودوله، لا يوجد في التاريخ بلد قوي يجاور ضعيفًا ولم تجبره الحتمية التاريخية على التدخل، فالعيب عيب الضعيف لا القوي، والذنب ذنبه لا ذنب جاره [ونحن البشر نصطاد السمك الذي تقدر صنارتنا على حمله، ولا نقترب من الحوت بالرغم من أن لحمه أطيب وأكثر].
ولهذا جعلنا نحن العرب كفر ضعفنا سببًا شرعيًا للتخلي عن واجبنا الأخلاقي والحضاري والديني والعقلي والمصلحي تجاه ما يحصل.
ثم يخرج مفتي الجمهورية العربية السورية ليقول بجواز التفرج على ما يحدث لأنهما طرفان سيئان منحرفان كافران. السوء والانحراف والكفر هو ضعفك يا شيخ وعجزنا، لا تطلعات قوتهما.
ولن نكون أقوياء وتغييرنا يأتي من الخارج لا من الداخل. ولن يكون تغييرنا من الداخل ما لم نر أنه فرض عين وواجب حتمي. ولن نستطيع أن نراه واجبًا حتميًا وأنتم تشرّعون واقع الحال بفتوى الباطل وتلبسونه لباس الدين الحق. ولن يكون هذا إلا حين نزيح أوهام التخلف المذهبي والطائفيات الماضوية المدمرة. ولن يكون هذا كله ونحن نرى هذه تطلعاتٍ طوباوية وتنظيرات حالمة.
ولن يحصل شيء من هذا ما دمنا نفتي بالكفر دينًا وشِرعة، وهو ديدننا اليوم جميعًا وديننا، كفر أخلاقي وإنساني وحضاري، وأخيرًا دينيّ.
لن تكون دولنا قوية وشعوبها تخاف من التعبير عن رأيها فيما يدور حولها. ولن تكون شعوبنا قوية وهي تخاف حاكمها وكأنه إلهها الذي يتحتم عليها التسبيح بحمده والتهليل باسمه، وهذا ما لن يكون والديمقراطية من المحرمات أو من الوهميات المزيفة. الشعب الذي لا يختار زعيمه سيختاره له أعداء هذا الشعب.


